في مساء السادس من أكتوبر عام 2023، كان وريف، الشيف السوري من حلب، قد اشترى سيارة جديدة قبل أيام. أخبر زوجته وابنته أن تأتيا معه لتناول الطعام في أحد المطاعم، ثم عادتا إلى المنزل. وعند نحو العاشرة مساءً اتصل بصديقه واقترح عليه أن يخرجا في جولة بالسيارة في غزة.
يقول وريف عبر مكالمة هاتفية بلهجته السورية الغزّية: «لفينا غزة كلها، وجلسنا بجانب البحر بحدود الساعة الثانية صباحاً، حتى روحت. سبحان الله، كأنني كنت أودّع غزة».
لم يكن يعلم حينها أن تلك الجولة ستصبح واحدة من آخر ذكرياته عن غزة قبل الحرب.
وُلد وريف في حلب، وتعلّم فنون الطهي عام 1997، بالتزامن مع عمله في مطاعم في حلب واللاذقية وطرطوس ودمشق. وفي عام 2007 افتتح مطعمه الأول في حلب، وعاش سنوات من الاستقرار الاقتصادي، قبل أن تغيّر الثورة مسار حياته.
كان وريف حاضراً في الثورة السورية، لكنه اضطر لاحقاً إلى مغادرة البلاد. يقول إن الحرب دمّرت جزءاً من منزله في حلب، وإنه عاش مع عائلته أياماً لم يكن الخبز متاحاً فيها، قبل أن ينتقل إلى ريف حلب الشمالي ثم إلى تركيا.
وصل إلى تركيا عام 2013، لكنه لم يستطع الاندماج فيها؛ فاللغة كانت أحد العوائق، فضلاً عن عدم رغبته في الإقامة في مخيمات اللاجئين. فقرر الانتقال إلى مصر، وهناك شعر، كما يقول، باحتضان المجتمع المصري له وبأنه ليس غريباً.
لقاء بالصدفة
في مصر، التقى وريف بالصدفة شاباً فلسطينياً من غزة يملك مطعماً في القطاع، وعرض عليه العمل معه. لم يكن يخطط للذهاب إلى غزة، لكنه قرر قبول العرض. صدفة غيرت حياته
يقول: «كنا طالعين من حرب وخسرانين كل شي. لما طلعت من سوريا حتى تياب ما أخذنا معنا. الواحد لما يخسر كل شي لازم يغامر. خلال إقامتي في مصر تعرفت على شاب فلسطيني عرض علي فرصة عمل في غزة. لو العرض اللي إجاني كان على جنوب أفريقيا أو على الأرجنتين كنت رحت، لكنه القدر لعب دوره. رحت على غزة وما قلت لا».
وصل وريف إلى غزة، لكنه لم يتعامل معها كمحطة مؤقتة. أحبّ المدينة وأهلها، وشعر بأن المجتمع الغزّي يذكّره بسوريا. وهناك التقى زوجته، وكانت صحفية، وتزوجها وأنجب منها ابنته الوحيدة.
وخلال حرب عام 2014، ساعد زوجته في تغطية الأحداث ميدانياً؛ خلع سترة الطاهي وارتدى سترة الصحافة والقبعة الواقية، ورافقها في عملها.
بعد سنوات من العمل، افتتح وريف مطعمه في شارع الشهداء بمدينة غزة. وأمام المطعم كانت شجرة اعتنى بها وزيّنها حتى أصبحت معروفة في المنطقة.
يقول: «نُص سكان غزة تصوروا عند شجرتي. دفعت كتير حتى زينها واهتم فيها».

قبل الحرب، كان المطعم يوظّف نحو 80 عاملاً من الفلسطينيين والسوريين، وكان وريف يقف أمامه يراقب شجرته والناس الذين يلتقطون الصور بجانبها.
وفي الوقت نفسه، ظل يبحث عن السوريين في غزة. يقول إن عدد العائلات السورية في القطاع كان يقارب 29 عائلة قبل عام 2015، وإن كثيراً منها غادر لاحقاً. ومع مجموعة من أصدقائه أسّس رابطة لمساعدة السوريين في غزة، بهدف متابعة أوضاعهم ومساعدة من يرغب منهم في السفر إلى خارج القطاع، ثم أُلغيت الرابطة بعد مغادرة معظمهم.
ويقدّر وريف عدد السوريين الموجودين في غزة اليوم بنحو تسعة أشخاص، لكنه يوضح أن الحرب جعلت الحصول على إحصاءات دقيقة أمراً صعباً، مع أنه على تواصل شخصي معهم.
الحرب
في اليوم الثالث من الحرب، استُهدف المنزل المقابل لمنزل وريف، وكان حينها واقفاً أمام منزله مع زوجته وابنته، فأصيب هو وزوجته بشظايا.
ولاحقاً تضرر مطعمه بشكل كبير إثر استهداف منطقة قريبة منه، وسقطت أضواء الشجرة التي اعتاد سكان المنطقة رؤيتها. بقيت الشجرة، لكنها لم تعد مضاءة.
نزح وريف وعائلته من مدينة غزة إلى دير البلح، ثم إلى جنوب القطاع، حيث يقول إنهم مرّوا بأصعب مراحل الحرب. عانى هو وزوجته وابنته من نقص المستلزمات الطبية اللازمة لعلاج إصاباتهم، ومن صعوبة الحصول على الطعام وارتفاع أسعار المواد التموينية. وهكذا أصبح الشيف الذي اعتاد إعداد الطعام للآخرين يجد صعوبة في تأمين الطعام لعائلته.
وخلال سنوات الحرب، اضطر وريف إلى وداع زوجته وابنته؛ فقد شجّعهما على المغادرة إلى مصر لتلقّي العلاج، إذ لم يقوَ على رؤيتهما تعانيان النزوح والإصابة معاً. أما هو فقرر البقاء في غزة، فلم يقوَ على الرحيل عنها وهي تعاني.
يقول: «من خير هالبلاد أكلنا وطعمينا الولاد. صعب أتركها قبل ما أحاول أساعد بتعميرها».
من خير هالبلاد أكلنا وطعمينا الولاد. صعب أتركها قبل ما أحاول أساعد بتعميرها.
وريف، شيف سوري من حلب
حين سقط الأسد
وصل خبر سقوط النظام السوري إلى وريف وهو في غزة، بعد أكثر من عام على بدء الحرب في القطاع، وبعد عقود من حكم عائلة الأسد في سوريا.
يتذكر ذلك اليوم قائلاً: «في يوم سقوط الأسد شعرت بمشاعر لم أختبرها من قبل. كان في حسرة، في بكي، في فرح، في مشاعر غمرتني. بكيت من الفرحة كثيراً. تواصلت بالهاتف مع الأصدقاء السوريين في غزة، ولم تكن الفرحة تسعنا، لكن لم نستطع اللقاء لصعوبة الحركة في الحرب».
أعاد سقوط الأسد إلى وريف فكرة العودة إلى سوريا، لكنه لم يكن مستعداً لمغادرة غزة.
يقول: «بعد سقوط النظام يخطر لي كثيراً أن أذهب لزيارة سوريا وأن ترى ابنتي سوريا التي أحبها ومدينتي حلب. وأتمنى أن أفتتح مطعماً في دمشق أو حلب».
العودة إلى شارع الشهداء
بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، عاد وريف إلى شارع الشهداء. غير أن الاتفاق يبقى شكلياً إلى حدٍّ كبير؛ إذ سجّل المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بحسب ما أعلنه، 5,147 انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 وحتى 29 سبتمبر 2026.
وجد وريف شجرته ما تزال قائمة، أما مطعمه فكان قد تعرّض للدمار. ورغم الانتهاكات المستمرة على القطاع، أعاد ترميم المطعم وافتتاحه، ويوظّف اليوم 40 موظفاً، ويقف وريف يومياً على رأس عمله.

إلا أن عدد الزبائن انخفض إلى أقل من النصف في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها سكان غزة، حيث أصبح ارتياد المطاعم من الكماليات. وقد شهد اقتصاد القطاع انهياراً حاداً؛ فبحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد): «انهار اقتصاد غزة بنسبة 83% في عام 2024، مما دفع جميع السكان البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة إلى الفقر».
ولا تقتصر المعاناة على انخفاض القدرة الشرائية، بل تشمل كذلك تأمين احتياجات المطعم، التي عانى وريف من ندرتها ثم من غلاء أسعارها. ومع ذلك، ما يزال المطعم يوفّر دخلاً لأكثر من 40 موظفاً رغم كل هذه الصعاب.
فالاستمرارية والمحاولة هما النهج الذي يعتمده وريف؛ إذ يرى أن فقدان الأمل هو الخسارة بحد ذاتها.
وقد أُضيئت شجرة وريف بعد سنتين ونصف من الغربة عنها.

عاد وريف إلى المكان الذي لم يتوقع يوماً أن يصبح بيته. وبينما يفكر في زيارة حلب وافتتاح مطعم في سوريا مستقبلاً، اختار أن يبقى في غزة الآن، في المكان الذي يقول إنه احتضنه حين كان يبحث عن مكان يبدأ فيه حياته من جديد.




