تتحدد حركة فلسطينيّي سوريا بعد سقوط نظام الأسد ضمن معادلة إقليمية تجمع بين سوريا ولبنان والأردن، إذ عاشت أعداد كبيرة من الأسر سنوات في دول الجوار، قبل أن تبدأ بمراقبة شروط العودة الممكنة: أمان نسبي، مسكن قابل للترميم، خدمة صحية قريبة، ومدرسة تستقبل الأطفال. وتعكس نداءات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين لعام 2025 هذا الإطار، من خلال توصيف احتياج إنساني واسع لفلسطينيّي سوريا ولبنان والأردن، والدعوة إلى تمويل طارئ للاستجابة الإقليمية.
ويأتي هذا المسار ضمن سياق عودة سورية أوسع، وسط تحديات تتعلق بتضرر المساكن وضعف الخدمات ومخاطر الألغام، ما ينعكس مباشرة على قرارات فلسطينيّي سوريا. ففي موازنة خياراتهم، تقارن الأسر بين بيئة مخيم داخل دمشق، وواقع مخيمات لبنان، أو سكن مؤقت في الأردن، في ضوء الفوارق المعيشية والخدمية، وما يتيحه كل خيار من فرص للاستقرار أو الاستمرار في الاعتماد على المساعدات.
وتقود مخيمات دمشق هذه المعادلة بحكم قربها من الخدمات المركزية. وتشير وكالة الغوث إلى عودة متزايدة إلى مخيم اليرموك، مع وصول عدد المقيمين إلى نحو 15,300 شخص حتى شباط 2025. ويكشف هذا الرقم بعدًا اقتصاديًا مباشرًا، إذ تعني زيادة السكان توسّع السوق المحلية، وما يرافقه من فرص عمل وقدرة أكبر على تمويل التعليم والرعاية الصحية. ويدفع هذا التسلسل بعض الفلسطينيين المقيمين في لبنان إلى التفكير في العودة، خاصة عند امتلاكهم مسكنًا قابلًا للترميم أو شبكة أقارب داخل دمشق.
ويرتبط قرار العودة بواقع الاعتماد على المساعدات. إذ تشير التقديرات إلى اعتماد واسع على الدعم النقدي الطارئ لتغطية الاحتياجات الأساسية، مع تأثير مباشر لنقص التمويل على إصلاحات المأوى. ويقود هذا الواقع إلى عودة انتقائية، يشجّع فيها انتظام الدعم بعض الأسر على البقاء في سوريا، بينما يدفع تراجعه أسرًا أخرى إلى الاستمرار في دول الجوار. كما يؤدي تفاوت الخدمات بين المناطق إلى تفضيل أحياء بعينها، مثل محيط اليرموك وخان دنون وجرمانا، حيث تتركز فرص الوصول إلى المدارس والعيادات والأسواق.
وتؤثر كلفة السكن في لبنان بدورها في هذا القرار. إذ توثّق وكالة الغوث هشاشة اقتصادية متزايدة بين فلسطينيّي سوريا في لبنان، تضغط على القدرة على دفع الإيجارات وتأمين الغذاء والدواء. ويدفع هذا الضغط بعض الأسر إلى البحث عن عودة جزئية، تبدأ بترميم غرفة في اليرموك أو منزل في خان الشيخ، على أن تتوسع لاحقًا وفق تطور الظروف وتوافر الموارد.
كما تلعب الوثائق والتنقّل دورًا حاسمًا في توقيت العودة. فالإطار القانوني الذي أرساه قانون عام 1956، والذي منح الفلسطينيين معظم الحقوق المدنية، يفسّر مركزية الوثيقة في الحركة عبر الحدود وإدارة شؤون الملكية. وتحتاج كثير من الأسر إلى وكلاء داخل سوريا لإنجاز معاملات الترميم والتملّك، بينما يؤدي تعقيد الإجراءات في دول الجوار إلى إطالة أمد الإقامة، في حين يساهم تيسير التفويض داخل سوريا في تسريع العودة والاستقرار.
ويؤثر التحول في السياسة الأمنية بعد سقوط النظام في قرارات الأسر. إذ تشير تقارير إلى إعادة تنظيم الحضور الفلسطيني وتشديد الرقابة على نشاط بعض الفصائل، ما ينقل جزءًا من الخدمات إلى قنوات رسمية ويحدّ من دور الوسطاء غير الرسميين. وبينما تشعر بعض الأسر بقدر أكبر من الانتظام في الحياة اليومية، تفضّل أسر أخرى التريث إلى حين اتضاح السياسات الجديدة المتعلقة بالإقامة والملكية والحقوق.
في المحصلة، تحكم كلفة المعيشة وتوافر الخدمات قرار العودة، بينما يحدّد الوضع الأمني والوثائق توقيتها. ويعكس نداء وكالة الغوث لعام 2025 هذا الواقع عبر ربط التمويل الإنساني بحماية الكرامة والبقاء في سوريا ولبنان والأردن. غير أن عودة اليرموك تُظهر بوضوح أن استعادة الخدمات لا تُنتج حركة عودة رمزية، بل تفتح مسار استقرار فعلي، فيما يعني غيابها بقاء العودة خيارًا مؤجّلًا، مهما توافرت الرغبة.

