يرسم سوق العمل في مخيمات فلسطينيّي سوريا بعد سقوط نظام الأسد ملامح مرحلة انتقالية تقودها الضرورة أكثر مما تقودها سياسات مكتملة. فخراب البنية السكنية يدفع آلاف الأسر إلى استبدال فكرة «العودة» بخطة معيشية تدريجية تبدأ بترميم جزئي، ثم افتتاح دكان صغير، ثم البحث عن دخل ثابت. ويشير تقرير الوكالة الأوروبية للجوء إلى أن 89% من لاجئي فلسطين في سوريا يعيشون تحت خط الفقر وفق معيار 2.15 دولار يوميًا، فيما بلغ انعدام الأمن الغذائي 62% في آذار 2024. وتكشف هذه الأرقام قراءة اقتصادية مباشرة لسوق هشّ تحكمه الأعمال اليومية منخفضة الأجر. وفي هذا السوق، تلجأ الأسر إلى تنويع مصادر الدخل، بينما تتحول المساعدات النقدية إلى عامل حاسم في توازن ميزانية البيت.

ويظهر مخيم اليرموك كمختبر لهذه التحولات. إذ تسجّل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ارتفاع عدد المقيمين إلى نحو 15,300 شخص بحلول شباط 2025، مع ربط العودة بتحديات تتعلق بالخدمات والضغوط الاقتصادية والحاجة إلى دعم نقدي وإصلاحات مأوى. ويؤدي هذا النمو السكاني إلى زيادة الطلب على مهن الترميم والبناء، مثل الكهرباء والسباكة. وينتج عن ترميم بيت واحد طلب على مواد البناء، ما يحرّك قطاع النقل ويخلق فرص عمل يومية، لتتشكل دورة اقتصادية صغيرة تفتح سوقًا محلية حول مواد البناء والغذاء والدواء.

وتصف تقارير ميدانية عودة سكان إلى اليرموك في سياق ارتفاع الإيجارات في دمشق وريفها، مع ربط هذا الارتفاع بتسارع العودة إلى مناطق مدمّرة بحثًا عن سكن أقل كلفة. ويولّد هذا العامل الاقتصادي مسارًا تعويضيًا، إذ يدفع ارتفاع الإيجارات الأسر إلى ترميم غرف في بيوت مدمّرة ثم إلى انتقال جزئي، يعقبه طلب على خدمات ومرافق ومحاولات تشغيل اقتصاد محلي يخفف كلفة التنقّل والاعتماد على المدينة.

ويظهر مخيم النيّرب في حلب بصورة مختلفة، حيث يقود الاكتظاظ وضعف الخدمات سوقًا يفضّل المهن الصغيرة، مثل محال البقالة وورش الصيانة وأعمال النقل داخل الأحياء والحرف المرتبطة بسوق المدينة. ويسهم قرب المخيم من اقتصاد حلب في توسيع فرص العمل نسبيًا، فيما يرفع ضعف الدخل العام حدّة المنافسة على الوظائف. أما مخيم عين التل، فتبدو قصته أكثر تعقيدًا، إذ يفرض الدمار الواسع، الذي صنّفته الأونروا ضمن الأعلى بين المخيمات، كلفة دخول مرتفعة تؤخّر استعادة سوق محلية مستقرة.

وفي الجنوب، يسلك مخيم درعا مسارًا ثالثًا. فضعف فرص العمل وقلّة الخدمات يدفعان نحو اعتماد أعلى على تحويلات الأقارب في الداخل والخارج، ما يخلق تفاوتًا داخل المجتمع بين أسر تمتلك شبكات دعم وأخرى تعتمد على المساعدة النقدية. وتدعم الأونروا هذا التصور حين توثّق عودة لاجئين فلسطينيين من لبنان، وتصف صعوبات تتصل بالخدمات والقدرة على الكسب.

وتتوسع دائرة سبل العيش مع عودة الفلسطينيين من لبنان. إذ تشير الأونروا، في تقرير متابعة نداء الطوارئ، إلى وجود نحو 23,600 فلسطيني من سوريا في لبنان ضمن فئة لاجئي فلسطين القادمين من سوريا، في سياق تهميش اقتصادي وقيود على العمل. ويدفع هذا الضغط بعض الأسر إلى التفكير في العودة إلى دمشق وريفها عند توافر فرصة لترميم غرفة أو تشغيل دكان صغير، بينما تلجأ أسر أخرى إلى توزيع جغرافي للدخل: فرد يعمل في لبنان، وأسرة تقيم جزئيًا في سوريا، وتُستخدم التحويلات في تمويل الترميم والتعليم.

ويؤثر نوع الدعم المقدم للعائدين في شكل سوق العمل. إذ تنقل تغطيات عن خدمات الأونروا تقديم دعم قانوني لتوثيق الأوراق، ومساعدة محدودة في قضايا السكن والأرض والملكية، إلى جانب دعم نفسي اجتماعي، وبرامج تدريب مهني وأنشطة سبل عيش. ويتيح التدريب المهني الانتقال من عمل يومي متقطع إلى مهارة ترفع الدخل، ما ينعكس استقرارًا تعليميًا وصحيًا داخل الأسرة ويخفف الضغط على المساعدة النقدية.

وتستند برامج سبل العيش كذلك إلى بيئة اقتصادية أوسع داخل سوريا. إذ يقدّم موجز مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول سبل العيش والإدماج الاقتصادي قراءة لأثر الأزمة الممتدة على فقدان الأصول وتعطّل الأسواق. ويبرز في هذا السياق احتياج المخيمات إلى برامج تمويل صغيرة، وتدريب مهني مرتبط بإعادة التأهيل العمراني، ودعم مشاريع منزلية تقودها النساء، وشراكات مع البلديات لتسهيل التراخيص الصغيرة.

وتؤثر السياسة العامة في هذا المسار عبر تخفيف أو تشديد قيود التمويل. إذ يشير تقرير مركز وقف إطلاق النار للدراسات القانونية إلى لحظة سياسية مفصلية في عام 2025 تتصل بتغيّر العلاقات الدولية مع سوريا وببيئة العقوبات، ويربطها بفرص تتعلق بالحقوق والحماية. ويتيح تحسّن بيئة التمويل دعمًا أوسع لسبل العيش، مقابل اشتراطات أعلى للحَوْكمة والشفافية في تنفيذ المشاريع المحلية.

وعليه، تتشكّل سبل العيش في المخيمات بوصفها حلقة مترابطة بين البيت والسوق والخدمة العامة. فترميم بيت في اليرموك يفتح ورشة، والورشة تشغّل عاملًا، والأجرة تتيح شراء الغذاء والدواء وتؤمّن تسجيل طفل في المدرسة، فتتحول العودة من قرار هشّ إلى مسار قابل للاستمرار. وبين محدودية الموارد التي تكشفها مؤشرات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، والمسارات التي تفتحها برامج التدريب والدعم القانوني، يتكوّن اقتصاد هشّ لكنه قابل للحياة، يربط الكرامة الاقتصادية بإمكان استقرار العودة.