تخطّي إلى المحتوى
مفتاح ميديا مِفتاح
كوفية

الأيام التي لا تُؤرشف: أصوات يوم عادي في مخيم السيدة زينب

هذه ليست أول جملة في المقال. بدايته تُسمع، لا تُقرأ.

الأيام التي لا تُؤرشف: أصوات يوم عادي في مخيم السيدة زينب
مشهد صوتي بالتعاون مع أرشيف مَسْمَع ٥ دقائق استماع
اسمع أولًا

قبل أن تقرأ، خصّص ثلاث دقائق لهذا التسجيل. المقال كله محاولة لفهم ما ستسمعه.

حي الشمالنة في مخيم السيدة زينب الفلسطيني0:00 / 3:00
تسجيل ميداني · ٢٧ حزيران ٢٠٢٦ · مخيم السيدة زينب، دمشق على مَسْمَع

كل ما سيأتي الآن ليس سوى محاولة لفهم ما سمعتَه.

ربما حاولتَ أثناء الاستماع أن تبحث عن حدود المكان، وربما اكتفيت بإشارات أصغر: لهجة عابرة، صوت محرّك، زقزقة طيور، حديث يتقاطع مع آخر، أو ضجيج يمر ثم يبتعد.

هذا التسجيل وُثّق خلال يوم عادي في مخيم السيدة زينب الفلسطيني، الواقع جنوب العاصمة السورية دمشق، والذي نشأ مع لجوء الفلسطينيين بعد نكبة عام 1948. ويضم المخيم سكانًا تعود أصول كثير منهم إلى قرى وبلدات شمال فلسطين، وهو ما انعكس على خصوصيته الاجتماعية وعاداته المحلية. ثم شهد المخيم موجة نزوح كبيرة بعد نكسة حزيران عام 1967، ليتحول عبر العقود إلى مجتمع فلسطيني متكامل، تشكلت فيه أسواق وشبكات جوار وحياة يومية خاصة.

لم يحمل ذلك اليوم حدثًا كبيرًا، ولم يترك وراءه خبرًا عاجلًا، ولم يكن من الأيام التي تستدعيها الأرشيفات عادةً. ومع ذلك، بدا جديرًا بالتسجيل؛ لأنه يفتح بابًا لسؤال مختلف: ما الذي يمكن أن يكشفه الاستماع عن مكان؟ وماذا يحدث حين يكون هذا المكان مخيمًا فلسطينيًا؟

كيف نعرف مكانًا عندما نبدأ بالإنصات إليه؟

حين انتهى يوم التسجيل، لم يكن لدينا حدث واحد نرويه.

ظل اليوم مستمرًا داخل التسجيلات؛ الصباح لم يسبق الظهيرة، والظهيرة لم تنتظر المساء. كانت اللحظات كلها حاضرة دفعة واحدة، تنتظر فقط أن يُعاد ترتيبها بالاستماع. ومنذ الخطوة الأولى في المخيم، بدأ ذلك الترتيب يتشكل.

كان تسجيل حي الشمالنة، أول باب دخلنا منه إلى المخيم. يتناهى إلى السمع حديث شبان أمام محل حلاقة، زقزقة طيور من محل مجاور، سيارة تعبر، بوق يعلو ثم يبتعد، ومارة يواصلون طريقهم. وخلال ثلاث دقائق، يتسع الحي داخل الأذن.

تتجاور المهن، الحركة، واللقاءات العابرة في طبقة صوتية واحدة، فيتجلى المجال العام نسيجًا حيًا من العلاقات اليومية. ويحمل هذا الإيقاع أثر عقود طويلة تشكّل خلالها المخيم بوصفه مساحة سكنٍ وعيشٍ نشأت على استعجال، ثم استقرت تدريجيًا في أشكال عمل وتجاور وعلاقات يومية ثابتة. حتى أصبح جزءًا من النسيج الحضري لدمشق، محتفظًا في الوقت نفسه بشبكته الاجتماعية الخاصة.

بإيقاع مختلف، تقودنا الجولة إلى الورشة.

أصوات ورشة ميكانيك في المخيم0:00 / 0:38
الظهيرة·مَسْمَع

يتكرر صوت المطرقة على المعدن، بينما يواصل الأطفال اللعب على بعد خطوات. يحمل هذا التداخل أثرًا يتجاوز لحظة التسجيل نفسها. فمخيم السيدة زينب، أو كما يُعرف محليًا بـ«قبر الست» نسبة إلى مقام السيدة زينب، شأنه شأن المخيمات الفلسطينية في سوريا، لم ينشأ كمدينة مخططة استقبلت سكانها، بل نما تدريجيًا مع المجتمع الذي عاش فيه. وقد بلغ عدد سكانه قبل النزاع السوري نحو 25 ألف لاجئ، تشكلت بينهم عبر العقود أنماط من العمل والجوار والعلاقات اليومية.

تجاور البيت والعمل داخل مساحة ضيقة جعل الورش جزءًا من النسيج السكني نفسه، لذلك لا يصل صوت العمل منفصلًا عن بقية الأصوات، إنما داخل شبكة اجتماعية نسجتها سنوات طويلة من الاعتماد المتبادل، حتى غدا الطفل يكبر وهو يعرف إيقاع الورشة كما يعرف إيقاع الحارة.

يواصل النهار إيقاعه مع الأطفال.

أحاديث الأطفال في المخيم0:00 / 0:35
بعد الظهر·مَسْمَع

تدور مفاوضة قصيرة حول ثمن قطعة حلوى، تمر دراجة نارية في الخلفية، ثم يتغير القرار سريعًا قبل أن ينطلق الجميع نحو ساحة الألعاب. يكشف التسجيل طريقة استخدام الأطفال للمكان أكثر مما يحفظ كلماتهم. يتحركون بثقة بين المحال والشارع والساحة، داخل فضاء أصبح مألوفًا إلى درجة تسمح لهم بصناعة يومهم الخاص.

هؤلاء الأطفال ينتمون إلى أجيال نشأت بعد تأسيس المخيم، لكنها ورثت تفاصيل العيش فيه كما هي، لا كحدث بل كواقع يومي، لذلك يحمل التسجيل أثرًا تاريخيًا هادئًا؛ أثر مكان بدأ مؤقتًا، ثم صار يخرّج أجيالًا تعرفه بوصفه موطنًا للحياة اليومية.

قبيل المغرب، يتبدل إيقاع اليوم مرة أخرى.

جلسة شاي قبيل الغروب0:00 / 0:42
قبيل المغرب·مَسْمَع

تخرج الكراسي إلى أمام البيوت، تمتد الأحاديث، يواصل الأطفال اللعب بصخب، ويعبر المارة كجزء مألوف من المشهد. يحتفظ التسجيل بإيقاع الجلسة أكثر من كلماتها، ويكشف كيف تمتد الحياة المنزلية إلى الرصيف، وكيف تتحول الأزقة إلى فضاء اجتماعي يتجدد كل مساء.

ويكتسب المشهد دلالة إضافية في مخيم السيدة زينب، بعدما استعادت شوارعه شيئًا من حيويتها في السنوات التي تلت الحرب والتهجير، والتي دفعت نحو 40% من سكانه إلى مغادرته في أواخر عام 2012. لذلك لا يوثق التسجيل جلسة مسائية فحسب، إنما يظهر أيضًا عودة إيقاع اجتماعي كان قد انقطع لسنوات.

عبر عقود طويلة، رافق تراكم الأبنية في مخيم السيدة زينب على مستوى الشكل العمراني، تراكمَ أنماط الجوار والثقة والاعتماد المتبادل، حتى أصبحت جزءًا من البنية الاجتماعية التي تمنح المخيم إيقاعه الخاص. فقد نشأت الحياة فيه داخل مجتمع حمل روابط القرابة والانتماء القادمة من القرى والمدن الفلسطينية، ثم أعاد نسجها في ظروف اللجوء مشكلًا شبكات يومية من الجوار والمساندة وتبادل الرعاية. وتأتي جلسات النساء أمام البيوت بوصفها إحدى صور هذه الشبكات؛ مساحة يتداخل فيها الحديث مع متابعة الأطفال، وتبادل الأخبار، والاطمئنان على شؤون الجيران.

كأن اليوم لا يُفهم إلا حين يُسمع كاملًا.

في هذا اليوم العادي تتكشف طبقة من المعرفة يصعب أن تلتقطها الأحداث الاستثنائية؛ صباح يفتح الشارع على الحركة، وظهيرة تتجاور فيها المهن مع لعب الأطفال، ومساء يمتد فيه السكن إلى الرصيف. هذه التحولات لا تُقرأ منفصلة، بل داخل الإيقاع نفسه، كأن اليوم لا يُفهم إلا حين يُسمع كاملًا، ويغدو الإيقاع الذي يجمعها جزءًا من معرفة المكان.

من جانب آخر، يمتد الصوت من وسيلة لنقل ما يحدث إلى طريقة في كشف كيف يفرض المكان نفسه على من يقترب منه؛ فالمشهد في المخيم لا يستقر في زاوية واحدة يمكن تثبيتها بصريًا، لكنه يتوزع عبر تزامنات متداخلة لا تُلتقط كاملة إلا حين تُسمع: حركة، حديث، عمل، وعابرون يمرون في اللحظة نفسها، بلا فواصل واضحة. أما الصورة فتلتقط جزءًا من هذا التزامن، بينما يبقى الباقي موزعًا خارج إطارها.

هذا ما يقترب منه الباحث ستيفن فيلد حين يصوغ مفهوم «الأكوستيمولوجيا»، أي النظر إلى الاستماع بوصفه طريقًا لمعرفة العالم عبر العلاقات التي تحملها الأصوات. فما يصل إلى الأذن طريقة اجتماع عناصر متعددة داخل الزمن نفسه، والطريقة التي يصنع بها الناس مكانهم وهم يعيشونه. وبهذا المعنى يصبح الاستماع شكلًا من إعادة بناء العلاقات كما تُعاش لحظة حدوثها.

وفي المخيم الفلسطيني، تكتسب هذه العلاقات طبقة إضافية من المعنى، فقد كتبت الباحثة ديانا آلان عن أن فهم المخيم لا يبدأ من لحظة اللجوء وحدها، ولا من الحرب، ولا من السياسة أو التاريخ، وإنما يبدأ بالفعل من خلال فهم الحياة التي تراكمت داخله بعد تلك الأحداث، وما أنتجته من أنماط عيش يومية مستقرة على نحوٍ ما. وهذا التحول في زاوية النظر يجعل المخيم فضاءً يُعاد إنتاجه يوميًا عبر تفاصيل الحياة اليومية، بتجاوز اختزاله بكونه مجرد امتداد لحدث تأسيسي، دون نفي العلاقة والامتداد مع ذلك.

يوم التسجيل، السابع والعشرين من حزيران، هو بالفعل يوم عادي في مخيم السيدة زينب الفلسطيني بدمشق، لكن فرادته تأتي من كون شكلًا من أشكال تثبيت الحياة نفسها داخل شروطها. استمرار التفاصيل الصغيرة فيه، وإعادة إنتاجها كل يوم، يمنح هذا المكان قدرة على البقاء كما هو، حتى حين تتغير سياقاته الكبرى أو تتبدل لغته السياسية.

كيف يُؤرَّخ يوم عادي؟

عادةً، يبدأ الأرشيف من اللحظة التي يشعر فيها الجميع أن شيئًا استثنائيًا قد وقع.

تُكتب الأخبار، تُلتقط الصور، وتُحفظ الوثائق، لأن حدثًا ما غيّر مجرى التاريخ، أو بدا جديرًا بأن يتذكره الناس لاحقًا. وبين حدث وآخر، تمر أيام كاملة لا يطلبها أحد، ولا يسأل كيف كانت تبدو أو كيف كانت تُسمع. لكن معظم حياة أي مجتمع لا تُعاش داخل لحظاته الاستثنائية، بل بينها، والمخيم الفلسطيني ليس استثناءً من ذلك.

فبعد عقود من اللجوء، لا يمكن حصر تاريخ المخيم بالمحطات الكبرى التي يعرفها الجميع، إنما أيضًا بآلاف الأيام التي لم تحمل عنوانًا، والتي استمرت خلالها الحياة تتخذ أشكالها المعتادة؛ محال تُفتح كل صباح، أطفال يكبرون في الأزقة نفسها، ورش تستقبل زبائنها، وجلسات مسائية تتكرر حتى تصبح جزءًا من إيقاع المكان. فاستمرار هذه التفاصيل هو أحد الأشكال التي يُصنع بها ويُعاش من خلالها أيضًا، دون أن نختزلها بكونها خلفية صامتة له.

بعد سنوات، قد تتغير هذه الأزقة، وتختفي بعض الورش، ويغادر أصحاب المحال، ويكبر الأطفال الذين تفاوضوا على ثمن قطعة حلوى، وربما تتبدل أصوات الشارع نفسها. ستبقى الصور شاهدة على شكل المكان في لحظات معينة، وستحفظ الوثائق تاريخه السياسي، أما هذه التسجيلات فستحتفظ بإيقاع يومٍ عاشه الناس كما لو أنه لن يحتاج أن يُحفظ.

حين يعود المستمع إلى التسجيل الأول بعد نهاية هذا المقال، قد لا يبحث مرة أخرى عن حدود المكان. ربما سيصغي إلى شيء آخر: الطريقة التي يفسح بها بوق سيارة المجال لحديثٍ يستمر، ورشةٍ تعمل بينما يواصل الأطفال لعبهم، وإلى مساءٍ يخرج فيه الجيران إلى الرصيف كما لو أنهم يكررون طقسًا يعرفونه منذ سنوات.

عندها، لن يكون ما يسمعه مجرد أصوات، وإنما أثرًا زمنيًا لطريقة عاش بها الناس يومهم، وسيكون يومًا عاديًا في مخيم فلسطيني.. قرر أن يترك أثره في الذاكرة.

عد إلى البداية

اسمع التسجيل الأول مرة أخرى. لن تبحث هذه المرة عن حدود المكان.

حي الشمالنة — التسجيل الأول0:00 / 3:00

أصوات اليوم الأربعة — من أرشيف مَسْمَع

المصدرأرشيف مَسْمَع — منصّة مستقلة لفهم الحياة عبر الصوت
الرخصةCC BY Masmaa — تسجيل فاطمة عمراني
يوم التسجيل٢٧ حزيران ٢٠٢٦ — مخيم السيدة زينب، دمشق
الأرشيف الصوتي على مَسْمَع
فاطمة عمراني

فاطمة عمراني

سجّلت المادة الصوتية وكتبت النص

صحفية وباحثة في علم النفس الإعلامي، تعمل في الصحافة التحليلية والمعالجة المعمقة للقضايا الاجتماعية والثقافية والإعلامية. تهتم بتقاطعات الإعلام مع علم النفس والمجتمع، وبالبحث في الظواهر الإنسانية والثقافية من خلال الكتابة الصحفية والسرد المعمق.

صفحة الكاتبة على مِفتاح