تخطّي إلى المحتوى
Miftah Media مِفتاح
دالية

المخيم الأخير: سردية الفقدان الفلسطيني السوري

في صور اليرموك المحاصر، كان يمكن رؤية انهيار سردية كاملة، لا مجرد حيّ مدمر. الفلسطيني الذي عاش لعقود داخل وهم نسبي اسمه «الاستقرار»، اكتشف فجأة أنه قابل للاقتلاع مرة أخرى، وأن المنفى ليس حدثاً من الماضي،…

صورة تعبيرية لركام مخيم اليرموك المحاصر، خلفية لتحوّل أدب الفلسطينيين السوريين إلى أدب النجاة

لنتخيّل التالي: في صبيحة يوم قائظ من صيف 2014، جلس شاب فلسطيني سوري في مركز لجوء في ألمانيا، محاولاً أن يشرح لموظفة الهجرة أين يقع مخيم اليرموك. لم تكن تعرف شيئاً عن المكان. بحثت عنه على غوغل، فظهرت لها صور دمار هائل. رفعت رأسها وسألته: هل هذا حيّ في دمشق؟

في تلك اللحظة تحديداً، بدا أن مكاناً أليفاً كُرِّست من أجله أعمار كاملة، قابل للاختزال إلى هذا الحد: صورة ركام.

تختصر هذه اللحظة المتخيَّلة (شبه المتخيَّلة، إذ لا بد أنها حدثت كثيراً)، جانباً كبيراً من التحول الذي أصاب، أيضاً، أدب الفلسطينيين السوريين خلال العقد الأخير. فالأمكنة التي كُتبت طويلاً بوصفها وطناً بديلاً، وامتداداً رمزياً لفلسطين، صارت فجأة موضوعاً للذاكرة، وللحنين، ثم شيئاً يشبه الأسطورة الشخصية لجيل كامل خرج من سوريا هائماً على وجهه.

من أدب العودة إلى أدب النجاة

في سنوات عيش الفلسطيني في سوريا، أحسّ أنه يعيش داخل نوع من الطمأنينة المؤقتة، طمأنينة يعرف الجميع هشاشتها، لكنها كانت كافية لبناء حياة كاملة فوقها. بدا اللجوء نفسه مستقراً إلى حد بعيد. لم تُكتب المخيمات الفلسطينية في سوريا بوصفها خياماً طويلة الأمد، إنما مدناً صغيرة تحمل ذاكرة فلسطين وتعيد إنتاجها يومياً. لهذا بدا الأدب الفلسطيني السوري مختلفاً عن كثير من تجارب اللجوء الفلسطينية الأخرى. ففي لبنان مثلاً، كُتب المخيم غالباً بوصفه هامشاً قاسياً أو مكاناً للعنف والفقر والعزلة.

أما هنا، فلم تكن الكتابة مشغولة فقط بفكرة الاقتلاع الأول، بل أيضاً بمحاولة بناء حياة كاملة داخل الاقتلاع نفسه. كان دائماً ثمة شعور بأن الفلسطيني السوري لا يعيش على هامش البلاد، بل داخلها، حتى وهو يحمل ذاكرة بلد آخر.

فجأة، وجد الفلسطيني السوري نفسه أمام خسارة جديدة لا تشبه الخسارة الأولى تماماً. لم يعد يحنّ فقط إلى فلسطين التي خرج منها الأجداد، بل إلى سوريا أيضاً، إلى المخيم ذاته، إلى الشوارع التي عاش فيها حياته اليومية. هنا تحديداً، وُلد التحول الحقيقي في أدب الفلسطينيين السوريين: الانتقال من أدب «العودة» إلى أدب «النجاة».

لم يعد المخيم في الكتابات الفلسطينية السورية الجديدة مجرد رمز للهوية، بل صار موضوعاً للرثاء، وتحول من مركز سردي إلى مكان مهدد بالمحو بالكامل، إلى أطلال. ولا يمكن فهم هذا التحول من دون التوقف عند تجارب كتّاب فلسطينيين سوريين عاشوا هذه القطيعة وكتبوا منها مباشرة.

حين دخلت الحرب السورية إلى المخيمات الفلسطينية، لم يتغير الواقع فقط، بل تغيّرت اللغة نفسها. لم يعد ممكناً كتابة المخيم بالطريقة القديمة، لأن المخيم نفسه تحطم. مع حصار مخيم اليرموك، بدا الأمر كما لو أن إحدى أكثر الصور رسوخاً في الوعي الفلسطيني السوري تنهار أمام الجميع. المكان الذي كان يُكتب بوصفه «عاصمة الشتات الفلسطيني» صار مكاناً للجوع والقصف والموت والتهجير.

هنا تحديداً حدث التحول الكبير في الأدب الفلسطيني السوري: الانتقال من الكتابة عن «فلسطين البعيدة» إلى الكتابة عن «اليرموك المحاصر».

لم يعد الكاتب الفلسطيني السوري يتعامل مع اللجوء بوصفه ذكرى موروثة من الأجداد، بل كتجربة يومية مباشرة يعيشها بنفسه. لم يعد يسمع عن النزوح، بل صار ينزح. لم يعد يقرأ عن البحر في الروايات، بل صار يعبره. ولم يعد المخيم رمزاً للثبات، بل صار صورة للانهيار الكامل.

في صور اليرموك المحاصر، كان يمكن رؤية انهيار سردية كاملة، لا مجرد حيّ مدمر. الفلسطيني الذي عاش لعقود داخل وهم نسبي اسمه «الاستقرار»، اكتشف فجأة أنه قابل للاقتلاع مرة أخرى، وأن المنفى ليس حدثاً من الماضي، بل احتمال دائم.

انعكس هذا التحول بسرعة في الكتابة. اختفت تدريجياً اللغة البطولية الثقيلة، وحلّت مكانها لغة أكثر هشاشة وقرباً من التفاصيل اليومية. صار النص مشغولاً بالجوع والنجاة والتهريب والحدود والانتظار. لم يعد السؤال المركزي: «كيف نعود إلى فلسطين؟»، بل: «كيف نبقى أحياء؟».

في عام 2015، أقسى سنوات حصار المخيم، أطلق بيت فلسطين للشعر في إسطنبول ورابطة الكتّاب والأدباء الفلسطينيين في غزة، للتضامن مع مخيم اليرموك وقطاع غزة المحاصرين، حملة «حاصر حصارك» المستوحاة من قصيدة محمود درويش، وشارك فيها الشاعران سمير عطية وأحمد السيد، وولّدت الحملة عشرات القصائد والتجارب الفنية للتعبير عن الحصار.

الفقدان كحالة مستمرة 

في تجربة نجاتي صدقي، البعيدة زمنياً عن الحرب السورية، يمكن العثور على جذور مبكرة لفكرة الفلسطيني الذي يعيش داخل أكثر من منفى وأكثر من هوية. صدقي، الذي تنقل بين فلسطين ولبنان وسوريا وأوروبا، كتب الفلسطيني بوصفه شخصية عابرة للحدود، لكن من دون أن تفقد مركزها الأخلاقي والسياسي. كانت فلسطين عنده فكرة جامعة، حتى حين يتشظى الجسد في المنافي.

أما الفلسطيني السوري الجديد، فقد خرج من هذه الصيغة شبه المستقرة. لم تعد فلسطين وحدها مركز الحكاية، بل انضمت إليها سوريا، والمنفى الأوروبي، والبحر، والحدود.

في الكتابات التالية، التي تهدّم فيها المركز، لم يعد المخيم مجرد استعارة وطنية، بل تحول إلى ذاكرة شخصية مشروخة. أصبحت الكتابة مشغولة باستعادة العالم اليومي الذي اختفى: البيوت، والشوارع، والعلاقات الصغيرة، وتفاصيل الحياة التي كانت تبدو عادية قبل أن تتحول إلى شيء مفقود. ثمة دائماً شعور بأن النص يحاول الإمساك بالعالم قبل انهياره النهائي.

وهذا تحديداً ما يميز كثيراً من أدب الفلسطينيين السوريين الجدد: الحنين لم يعد موجهاً نحو فلسطين وحدها، بل نحو حياة كاملة عاشت فعلاً داخل سوريا ثم اختفت. لم يعد الفلسطيني السوري يكتب فقط عن «البلاد التي لم يرها»، بل عن البلاد التي عاش فيها وخسرها.

ولهذا، فإن كثيراً من نصوص الفلسطينيين السوريين الجديدة تبدو أقرب إلى «أدب الفقدان» منها إلى الأدب الوطني بمعناه التقليدي. وهذا ما يراه الباحث إسماعيل ناشف حول الأدب الفلسطيني الحديث عموماً، ولا سيما في دراسته لأدب عدنية شبلي، إذ يقول إن هذا الأدب دخل طور «الفقدان المتكرر»، حيث لا يعود الفلسطيني يواجه خسارة واحدة قابلة للتعريف، بل سلسلة خسارات متواصلة تعيد تشكيل هويته باستمرار.

لم تعد الخسارة حدثاً مؤسساً وقع في عام 1948 وانتهى، بل تجربة مستمرة تتجدد كل بضع سنوات: خسارة البيت، ثم خسارة المخيم، ثم خسارة البلاد، ثم خسارة اللغة الأولى أحياناً. لهذا تبدو الكتابة الفلسطينية السورية الجديدة أقل يقيناً وأكثر توتراً. إنها كتابة لا تملك رفاهية الخطاب المكتمل، لأنها تخرج من حياة غير مكتملة أصلاً.

المخيم كمرحلة لا كنهاية

في روايته «تذكرتان إلى صفورية» (2017)، يكتب سليم البيك مخيم اليرموك بوصفه مكاناً إشكالياً في تشكيل الهوية الفلسطينية أكثر من كونه رمزاً وطنياً جاهزاً. فالرواية لا تتعامل مع المخيم باعتباره امتداداً رمزياً لفلسطين فحسب، إنما تصوره فضاءً عاش فيه الفلسطينيون عقوداً طويلة وراكموا داخله ذاكرتهم اليومية الخاصة.

ولهذا يخصص البيك أحد أقسام الرواية لفصل كامل بعنوان «مارّاً من اليرموك»، يتتبع فيه خروج يوسف (البطل) من المخيم ورحلته إلى أوروبا، متأملاً ما يسميه «الشتات الفلسطيني الثالث» وأسئلة اللاانتماء والهوية التي ولّدتها الحرب السورية.

ولا يظهر اليرموك في الرواية باعتباره نقطة وصول، بل محطة مؤقتة داخل سلسلة اقتلاعات متعاقبة. فجَدّ يوسف هُجّر من صفّورية إلى المخيم، ثم انتقلت العائلة إلى دبي، قبل أن تدفع الحرب السورية البطل إلى اللجوء في فرنسا. وبهذا يصبح اليرموك حلقة مركزية في تاريخ العائلة، لكنه ليس نهاية المنفى ولا بديلاً نهائياً عن فلسطين.

غير أن أهمية اليرموك في الرواية تنبع من كونه المكان الذي تشكلت فيه الذاكرة المعيشة لا الذاكرة الموروثة. فصفّورية تصل إلى يوسف عبر حكايات الجد والجدة، أما اليرموك فيصل إليه عبر التجربة المباشرة والعلاقات اليومية وتفاصيل الحياة التي سبقت الحرب. لذلك يبدو فقدان المخيم في الرواية فقداناً مختلفاً عن فقدان فلسطين: إنه فقدان مكان عاشه البطل فعلاً ثم اضطر إلى مغادرته. ومن هنا يتحول اليرموك من رمز للنكبة الأولى إلى موضوع مستقل للفقدان والحنين.

يسرد البيك قصة بناء مخيم اليرموك على هذا النحو: «منذ وصوله إلى المخيم، كان البيت في اليوم الأول خيمة، ثم صار مع الزمان بجدران طينية، ثم بأسقف من الزنك، ثم صار كله مبنياً من الباطون، وصارت غرف الباطون تتوسع، وتُعمر طوابقها على أسقفها، صار بيتاً بطابق أرضي وطابقين فوقه وسطح عليه غرفتان».

أما في رواية مي جليلي «حجر الزار» (2025)، فيحتل مخيم اليرموك موقعاً يتجاوز كونه رمزاً فلسطينياً أو محطة مؤقتة في طريق العودة. فالرواية تنطلق من تجربة الحرب والاقتلاع التي أصابت الفلسطينيين والسوريين معاً، وتتابع رحلة بطلتها من المخيم إلى المنافي الأوروبية، ثم إلى مواجهة ذاكرة المكان بعد تحوله إلى ركام.

ولهذا لا يظهر اليرموك فيها باعتباره استعارة لفلسطين فقط، بل باعتباره وطناً معيشاً تشكلت داخله الحياة اليومية والعلاقات والذكريات قبل أن تتعرض كلها للتدمير.

وتكمن أهمية الرواية في أنها تنقل مركز الحنين من الأرض الموروثة إلى المكان المفقود فعلياً. فالخسارة هنا ليست فلسطين وحدها، إنما خسارة المخيم أيضاً بما يحمله من تفاصيل الحياة العادية. ولهذا تنشغل الرواية باستعادة الشوارع والبيوت والناس أكثر من انشغالها ببناء سردية وطنية مباشرة.

وقد لاحظت قراءات نقدية للرواية أن اليرموك يتحول بعد فقدانه إلى نوع من «اليوتوبيا المستعادة» التي يحاول الخيال ترميمها وإعادة سكانها إلى بيوتهم وأحيائهم، في محاولة لمقاومة الخراب وحفظ الذاكرة من التآكل.

وبهذا المعنى، تنتمي «حجر الزار» إلى الكتابة الفلسطينية السورية التي لم تعد ترى المنفى حدثاً واحداً يبدأ من فلسطين، بل سلسلة اقتلاعات متراكمة: من فلسطين إلى المخيم، ومن المخيم إلى المنافي الجديدة. لذلك يبدو اليرموك في الرواية طبقة ثانية من الوطن المفقود، لا تقل حضوراً أو إيلاماً عن الوطن الأول، وهو ما يجعل النص أقرب إلى أدب الفقدان والنجاة والذاكرة منه إلى الأدب الوطني بصيغته التقليدية.

من رموز العودة إلى رموز الشتات 

في الأدب الفلسطيني القديم، كانت البيارة والكوفية والزيتون ومفتاح العودة تشكل العمود الفقري للمخيال الفلسطيني. أما في أدب الفلسطينيين السوريين في ظل الحرب السورية، فقد دخلت رموز أخرى أكثر قسوة: قوارب الموت، وجوازات السفر المؤقتة، والحدود، والأسلاك الشائكة، ومكاتب الهجرة، وبطاقات الإقامة، ومراكز العمل الأوروبية.

حتى البحر نفسه تغيّر معناه. كان البحر في الأدب الفلسطيني القديم يحمل وعد العودة أو الحنين إلى المدن الساحلية المفقودة، لكنه في الأدب الجديد صار احتمالاً دائماً للموت. فقد البحر تمثيله الشعري، وغدا مقبرة مفتوحة.

هذا التحول اللغوي والرمزي لا يمكن فصله عن التحول في طبيعة التجربة نفسها. فالكاتب الفلسطيني السوري الجديد لا يكتب من داخل جماعة مستقرة نسبياً كما كان الحال سابقاً، بل من داخل تشتت هائل. ثمة فلسطينيون سوريون اليوم في ألمانيا والسويد والدنمارك وهولندا وتركيا وكندا، ولكل واحد منهم علاقة مختلفة مع اللغة والذاكرة والمنفى.

لهذا، يبدو الأدب الفلسطيني السوري اليوم أقرب إلى «أدب الشتات العالمي» منه إلى أدب المقاومة الكلاسيكي.

ثمة اهتمام متزايد بالأسئلة الفردية: العزلة، والاندماج، واللغة الجديدة، والجسد، والحب، والعمل، والخوف من فقدان الذاكرة، والعلاقة المعقدة مع المدن الأوروبية. لم تعد القضية الوطنية تختفي، لكنها لم تعد وحدها مركز النص.

لكن، رغم كل هذا التحول، ما تزال فلسطين حاضرة؛ حاضرة لا بوصفها شعاراً سياسياً دائماً، إنما طبقة عميقة من الوعي والذاكرة. الفلسطيني السوري لا يتخلى عن فلسطين، لكنه يعيد كتابتها من داخل تجربة أكثر تعقيداً. لم تعد فلسطين وحدها هي المفقودة، بل العالم الذي كان ينتظر فيه الفلسطيني عودته إليها هو المفقود.

ولهذا تحديداً، تبدو الذاكرة في الأدب الفلسطيني السوري الجديد كأنها «المخيم الأخير».

الجغرافيا تكسرت، والمخيمات تهدمت، والناس توزعوا في المنافي، لكن النص بقي قادراً على إعادة بناء العالم القديم، ولو بشكل مؤقت. في الكتابة فقط، يستطيع الفلسطيني السوري أن يعيد فتح شارع فلسطين، وأن يسمع أصوات الباعة في اليرموك، وأن يتذكر البيوت كما كانت قبل الحصار.

وهذا ما يمنح هذا الأدب أهميته الحقيقية: إنه لا يكتب فقط عن مأساة سياسية، بل يكتب عن انهيار عالم كامل، وعن محاولة البشر حماية ذاكرتهم من المحو النهائي. وربما لهذا يبدو أدب الفلسطينيين السوريين اليوم واحداً من أكثر أشكال الكتابة العربية قدرة على التعبير عن الإنسان المعاصر: الإنسان الذي يمكن أن يفقد أكثر من وطن، وأكثر من مدينة، وأكثر من تعريف لنفسه، ثم لا يبقى له في النهاية سوى الحكاية.