تخطّي إلى المحتوى
مفتاح ميديا مِفتاح
كوفية

حسن سامي يوسف: قلق المعنى الفلسطيني

يقارن المقال سؤالي كنفاني ويوسف عن الهوية: الانتماء مقابل المعنى. عبر عيسى، بطل رواية «الفلسطيني»، يتتبع كيف تحوّلت النكبة من واقعة تاريخية إلى عبء وجودي يلازمه حتى اختيار مكان موته.

الكاتب والمخرج السوري حسن سامي يوسف إلى جانب غلاف روايته الفلسطيني

ثمة سؤالان في الأدب الفلسطيني يبدوان، للوهلة الأولى، متشابهين، إلا أنهما ينتميان إلى لحظتين مختلفتين من الوعي الفلسطيني. سأل غسان كنفاني سنة 1967، في مقالته “فضول طفل أم قدر رجل”: “أأنا فلسطيني أيضاً؟”. وبعد أكثر من عشرين سنة، سأل حسن سامي يوسف، في روايته الأولى “الفلسطيني” (1988): “لماذا نحن فلسطينيون؟”.

بين السؤالين انتقال من الانتماء إلى المعنى. ينطوي سؤال كنفاني على رغبة في تثبيت انتماء الفرد إلى الجماعة، أما حسن سامي يوسف فلا يضع فلسطينية بطله موضع الشك، ولكنه يضع معناها موضع المساءلة: ماذا يعني أن يولد الإنسان فلسطينياً؟ وكيف تتحول هوية لم يخترها إلى شرط يتدخل في جسده وذاكرته وعلاقته بالعالم؟

ليس التقاطع بين السؤالين مصادفة أدبية تماماً. فقد كان حسن سامي يوسف تلميذاً لغسان كنفاني في مدرسة الأليانس، دير ياسين، بدمشق سنة 1956، قبل أن أصبح، بعد أكثر من ستة عقود، أحد تلامذة حسن في دمشق سنة 2019 في ورشة كتابة السيناريو.

وإذا كان كنفاني قد علّم طلابه فلسطين الجواب، فإن حسن سامي يوسف علّمنا فلسطين السؤال. 

غير أنّ الفرق بين سؤال الرجلين جوهري. فكنفاني لا يسأل عن سبب كونه فلسطينياً، بل عن انتمائه إلى الجماعة. لذلك يأتي جوابه سريعاً: “نعم”. إنّه سؤال يضمّ الفرد إلى شعبه، لا سؤال يبحث عن علّة وجود هذا الشعب في المأساة.

من هنا لا تبدو “الفلسطيني” رواية تبحث عن جواب جاهز على النكبة أو اللجوء أو المقاومة، بقدر ما تتتبع ما فعلته هذه التجارب بشخص واحد هو عيسى، بطلها. صحيح أن تجربته تتقاطع مع تجربة جيل كامل عاش النكبة والمخيم والمنفى والحروب، لكنها لا تذوب فيها. فعيسى ليس رمزاً صافياً ولا ممثلاً نهائياً للفلسطينيين، إنما شخصية لها تاريخها الخاص، وتناقضاتها الخاصة، وطريقتها الخاصة في حمل الهوية والهرب منها في الوقت نفسه.

ولذلك فإن قراءة “الفلسطيني” تبدأ من أثر النكبة في التاريخ الشخصي والعام، لا من النكبة بوصفها واقعة تاريخية. فالمأساة، في هذه الرواية، لا تتمثل في ضياع الأرض وحده، ولكنها تكمن في التحول الذي أحدثه ذلك الضياع في الإنسان الفلسطيني. إنّها رواية عن الكيفية التي يصبح فيها التاريخ قدراً نفسياً، وتغدو الهوية عبئاً وجودياً، لا مجرد انتماء وطني.

القطار: الحد الفاصل بين زمنين

يروي عيسى نكبة فلسطين على هذا النحو: “جاءت الطائرات، ذات ليلة، وألقت قنابلها فوق البيوت. كانت الانفجارات تسرق الهواء من رئتي، وكانت يدي اليسرى تمسك بطرف ثوب أمي، بينما يدي اليمنى تمسك بشيءٍ وضعته على رأسي، ربما كان لحافي الصغير أو وسادتي الصغيرة. وكان حشدٌ من الأطفال والنساء يهرع إلى خارج القرية. وكان رعبٌ… هذا هو وطني، فبعد الرعب كان قطار وكان لاجئون. أما اللاجئون فلا شك في أنهم أبناء فلسطين. أما القطار فلا أعرف هويته ولا أعرف في أية أرض كان يتدحرج. في لبنان؟ في سورية؟ في الأردن؟ لا أعرف. ومع القطار يبدأ الحد الفاصل بين الزمنين الفلسطينيين: زمن الوطن، وزمن الشتات”.

تكمن أهمية القطار في أنه لا ينقل عيسى من مكان إلى آخر فحسب، بقدر ما ينقله من تعريف إلى آخر. قبله كان طفلاً في مكان معلوم، ولم تكن فلسطينيته سؤالاً منفصلاً عن حياته. بعده صار لاجئاً، وصارت الهوية اسماً في بطاقة، وحصة في مؤونة، ومكاناً مؤقتاً للإقامة، وسلسلة من الحدود التي لا يملك تقريرها، صارت مفروضة من الخارج.

لا يقول القطار إلى أين يتدحرج؛ لبنان أم سورية أم الأردن، لأن الأرض الجديدة أقل أهمية من القطيعة نفسها. ما يترسخ في الذاكرة هو أن زمناً انتهى، وأن زمناً آخر بدأ من دون اختيار صاحبه. ولذلك يبدو الزمن اللاحق كأنه لا يتقدم حقاً، إنه يعيد إنتاج لحظة الانقطاع في صور مختلفة. 

يظهر هذا التعطل في التفاصيل الصغيرة بقدر ما يظهر في الوقائع الكبرى. كان عيسى طفلاً يمشي حافي القدمين فوق الجليد إلى المدرسة، إلى أن وصلته ضمن المساعدات فردتا حذاء غير متطابقتين: واحدة صفراء وأخرى سوداء. يظل عيسى ممتناً للطفل الأمريكي الذي قد تكون الفردتان قد جاءتا منه، لكنه لا يستطيع أن يعرف ما إذا كان الطفل الآخر قد سخر منه أو فكر فيه أصلاً. في هذه الصورة البسيطة يتحول الفرق بين عالمين إلى شيء يُلبس في القدمين: طفل يرسل ما فاض عنه، وطفل يتعلم الامتنان لما لا يصلح تماماً لحياته.

منذ تلك اللحظة يصير “قبل القطار” زمناً لا يُستعاد إلا بالذاكرة، فيما يتكاثر “بعد القطار” في المخيمات والمدن والحروب. ينتقل عيسى من ثكنة ويفل في بعلبك إلى مخيم اليرموك، ثم إلى مدن وعواصم كثيرة، لكن كثرة الأمكنة لا تمنحه زمناً جديداً مستقراً. إن ساعته، كما يقول، معطلة؛ لا لأنها توقفت حرفياً، ولكن لأن الماضي ظل يفرض إيقاعه على كل ما جاء بعده.

كيف صارت الهوية عبئاً؟

حطّ القطار بعيسى وأسرته في ثكنة ويفل في بعلبك اللبنانية، حيث أقاموا في واحد من الإسطبلات. لم تعد الخسارة هنا فكرة سياسية مجردة: غدت مكاناً يومياً يقنع الطفل بأنه أدنى من الآخرين. ثم تأتي عقوبة الدرك لرجال المخيم كي تضيف إلى الفقر إذلالاً ممنهجاً: يُجبر الرجال على البصق في وجوه بعضهم وصفع بعضهم أمام النساء والأطفال. يرفض خليل أن يبصق في وجه أبيه الأعمى فيُقتاد ولا يعود، بينما يطيع أحمد أمر أبيه فيبصق في وجهه، ثم يموت الأب حزناً ويفقد الابن عقله.

لذلك لا تبدو رغبة عيسى في ألا يكون فلسطينياً رفضاً لفلسطين نفسها بقدر ما تبدو رفضاً لما صارته فلسطينيته في حياته: إسطبلاً، وإعانة، وعقوبة، وجسداً مباحاً لسلطة الآخرين. حين يقول لأبيه: “لا أريد أن أكون فلسطينياً”، ثم يبرر ذلك بقوله: “لأن الله لا يحب الفلسطينيين”، لا يقدم موقفاً فكرياً من الهوية، فقط يحاول الطفل أن يجد تفسيراً لما لا يستطيع فهمه.

“أبي، أنا لا أريد أن أكون فلسطينياً، ولا أريد أن أكون بشراً”.

تكشف الجملة أن رفضه تجاوز الهوية إلى رفضٍ للوجود نفسه. ما يرفضه ليس صفة قومية يستطيع تبديلها، إنه يريد استبدال الشرط الذي أُلزم أن يعيش داخله. إنه يرفض فلسطينيته في كلامه، ويعود إليها في أفعاله، ويحاول التنكر لها، ثم يرفض في الوقت نفسه فرصاً قانونية للتخلي عنها.

ظلّ المعنى الذي تشكّل في ويفل يرافق عيسى إلى الرشد. كان في وسعه أن يأخذ جنسية زوجته المغربية، كما أتيحت له إمكانات أخرى للابتعاد عن التعريف الذي أثقله، لكنه رفض. وفي المقابل شارك، بوصفه فلسطينياً، في الحروب التي خاضها الفلسطينيون، وتخلى عن فرصة للسفر إلى فرنسا بعد هزيمة 1967، ‏”في صيف 1967 هزم موشي ديان جيوش العرب في ستة أيام، وفي اليوم السابع استراح”، فذهب عيسى إلى الحرب: “لأنه تذكر أنه فلسطيني، وأنّ من واجبه ألّا يترك دايان وأمثاله يستريحون لحظةً واحدة”.

في الواقع، لا يحسم هذا السلوك معنى فلسطينيته بقدر ما يزيده تعقيداً. 

الجسد ومكان الموت

حين تضيق إمكانات الاختيار أمام عيسى، يبقى الجسد المجال الأخير الذي يستطيع أن يتصرف فيه. الجسد الذي حمل أثر النكبة، وعاش المهانة، وخاض الحروب، وأصابه المرض حتى صار بكلية واحدة وخارجاً من تجربة تشبه الموت. ومع ذلك يترك عيسى دمشق في السادس من حزيران 1982 ويتجه إلى بيروت، حيث يمنحه صديق قديم فرصة “تليق بمحارب قديم مثله”.

ما يشغله في تلك اللحظة ليس زمن الموت ولا طريقته، إنما مكانه. 

“وأنا لا أتساءل عن الزمان الذي سأموت فيه، ولا عن الطريقة التي سأموت بها. هذه أشياء لا تهمني. بل أكاد أجزم بأني أعرف كيف سأموت، وأعرف أنّ الرصاصة التي سوف تقتلني قد تمّ صنعها. ولكني أتساءل عن مكان موتي. أين سأموت؟ ويشغل هذا السؤال بالي كثيراً وأخلص إلى نتيجة مفادها أنّ الفلسطيني، ربما كان الوحيد في العالم الذي لا يستطيع أن يختار مكان موته مثلما لا يستطيع أن يختار مكان إقامته”.

تمنح هذه الفكرة عودته إلى بيروت معنى يتجاوز الرغبة المجردة في الفناء. لقد اختير له مكان الرحيل، ومكان المخيم، ومدن الإقامة، وحدود الحركة؛ لذلك يصبح اختيار مكان النهاية محاولة متأخرة لاستعادة شيء من الإرادة. لا يستطيع إعادة الزمن الذي سبق القطار، لكنه يحاول، على الأقل، أن يختار المكان الذي ينتهي فيه مساره.

الموت: اعتراف أم فعل أخير؟

“لقد حاولتُ ألّا أكون فلسطينياً فلم أنجح… ولهذا قررتُ العودة إلى أهلي لكي أموت بينهم”.

تضع العبارة العودة والموت في جملة واحدة، لكنها لا توحّد معناهما. 

تفتح النهاية أكثر من احتمال: أن يكون الموت قبولاً متأخراً بالهوية، أو استعادة للفاعلية عبر اختيار مكان النهاية، أو هروباً من حياة لم يختر شروطها، أو محاولة لمنح تلك الحياة معنى يمكن روايته. مجدداً: لا تفصل الرواية هذه الدوافع بعضها عن بعض.

قوة الرواية أنها تُبقي هذه الدلالات متجاورة، فلا تحوّل موت عيسى إلى جواب بسيط عن سؤال “لماذا نحن فلسطينيون؟”. إذ يكون موته أقرب إلى سؤال أخير عن مقدار الحرية المتاح لمن فُرضت عليه أمكنة حياته، منه إلى حلّ نهائي يبدّد تناقضاته.

يحمل عيسى في تجربته شظية كثيفة من تجربة جيل رأى الوطن يتحول إلى ذاكرة، والطفولة إلى بطاقة لجوء، والزمن إلى ساعة معطلة. وخصوصيته، لا ذوبانه في رمز جماعي، هي ما يمنح حكايته قدرتها على الإضاءة.

بين “أأنا فلسطيني أيضاً؟” و”لماذا نحن فلسطينيون؟” لا ينتقل الأدب الفلسطيني من سؤال إلى جواب بقدر ما ينتقل من صيغة للسؤال إلى صيغة أشد قلقاً. كنفاني يضم الفرد إلى الجماعة، أما حسن سامي يوسف فيتأمل ما يحدث للفرد حين تصبح الجماعة جزءاً من ذاكرته وتعريفه لنفسه وعلاقته بالعالم. وعيسى لا يجيب عن سبب فلسطينيته؛ إنه يكشف أن القطار الذي أخرجه من زمن الوطن لم يتوقف عن العبور في داخله، وأن سؤال فلسطينيته ظل ملازماً له حتى المكان الذي اختاره لموته.