في بيتٍ صغير في شارع فلسطين، في مخيم اليرموك في العاصمة السورية دمشق، ارتدت نعيمة الفستان الأبيض الذي تحلم به. كان لها من العمر تسع عشرة سنة بالضبط، أما محمد، في سنواته الثلاثين، فكان متضايقاً من ربطة العنق التي تخنقه، وقد تعرّق قليلاً قبل أن يصدح الغناء في الغرفة الصغيرة.

بدا الزفاف عادياً، مثل أيّ زفافٍ فلسطيني في حينه داخل مجتمعات اللجوء الفلسطينية: رجلٌ أخرجوه من مدينة يافا الفلسطينية وهو ابن سنة واحدة، سنة 1948، يتزوج من امرأة خرج أهلها من فلسطين في السنة نفسها، وأنجبوها في مخيمٍ صغير يتأسس في دمشق، بعد ذلك بنحو عشر سنين.

كان كل ذلك مألوفاً: زواج اللاجئين كي تستمر الحياة، أما الغناء فكان غريباً أن يشغل فضاء حفل زفافٍ صغير من هذا النوع.

انطلقت أغنية “والله لزرعك بالدار يا عود اللوز الأخضر، وأروي هالأرض بدمي لتنوّر فيها وتكبر” على نحوٍ فريد في الزفاف. توزّع الأداء فيها بين الجوقة واثنين من أجمل الأصوات العربية السورية يومذاك: ابتسام جبري وسمير حلمي، أما الملحّن فكان حسين نازك. 


أطلقت أغنية “اللوز الأخضر” فرقة من أشهر الفرق الغنائية الفلسطينية في مجتمعات اللجوء، وهي فرقة “أغاني العاشقين” التي صار اسمها بعد فترة قصيرة “العاشقين”.

انفجرت الأغنية في لحظةٍ فارقة وكبرى في تاريخ اللجوء الفلسطيني: إجابةً على سؤال الذاكرة، استعادةً للفلسطينيّ جسداً وأرضاً، وهي في الوقت نفسه لحظة انطلاق. إنها تذكُّر: “والكرم الجبل الموجود – في الشمس الحرّة على طول، من عرق أجدادي مجبول – لتراب الوطن الأطهر”، وهي تذكير ونداء: “عَ الجرمق غنّى الصفدي – غزّة والبيرة بلدي، والقدس بتهتف ولدي – أوعك عني تتأخر”.

في الفترة التي تأسست فيها الفرقة حاول الفلسطينيون التأقلم مع حياتهم القسرية الجديدة التي ظنّوها مؤقتة قبل العودة إلى فلسطين. استوعبوا وجدوهم في هذه الأماكن التي حملت اسم “مخيمات”، وهي صفات نابت عن هويتهم كمواطنين: “لاجئين”.

بدأ التكيّف مع الظرف الجديد، غير الطبيعيّ، بعد سنوات على الصدمة والمحاولات الدؤوبة للتعافي منها، واستدراك أنّ المؤقت قد طال، وأنّ فلسطين تبتعد، في الزمان والمكان. بدا الاستقرار، سنة 1977، مرعباً. زالت الخيام التي أكّدت على آنية اللجوء، ونشأت عوضاً عنها الأبنية.

كان الغناء جواباً عن أسئلةٍ وجودية كبيرة، عن الذاكرة والمكان المؤقت والعودة، عن الوطن السليب والأرض المفقودة، عن الأنا والهوية، وما يجب فعله: “مدّولي هالأيادي”.

مع “اللوز الأخضر” يبدأ غناءٌ طويل من لحظتها حتى سنة 1993، بثمانية ألبومات كاملة للعاشقين. 

تشكُّل الصوت في المنفى

يروي أحمد دحبور، واحد من مؤسسي الفرقة وشاعر أغلب أغانيها، الحكاية التي ولدت منها الفرقة:

كان المخرج المسرحي السوري فواز الساجر يبحث عن أغنيات محددة لمسرحية الشاعر سميح القاسم “المؤسسة الوطنية للجنون”، كي يخرجها لصالح دائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية، وطلب فواز من دحبور أن يكتب له الكلمات، فخطر للأخير وهو في طريقه لتسليم النصوص أن يكتب أغنية لا علاقة مباشرة لها بالنص، بل مقدمة أو فاتحة للمسرحية، وكانت “اللوز الأخضر”. 

عقب نجاحها الكبير، اقترح عبد الله الحوراني على كلٍّ من حسين نازك (الملحن) وأحمد دحبور (الكاتب) تأسيس فرقة فنية، فتأسست “أغاني العاشقين” من أبناء شتات فلسطين.

انطلقت فكرة الفرقة من مجتمعات اللجوء الفلسطينية، مجموعة من الشبان والشابات العرب والفلسطينيين يريدون أن يغنّوا لفلسطين، وارتبطت بمخيم اليرموك على وجه الخصوص لأنها اهتدت إلى أشخاص كثر باتوا أبرز أعضائها وكانوا من المخيم، مثل أسرة الهباش المكوّنة من ثلاثة أشقاء هم خليل وخالد ومحمد، وشقيقتين هما آمنة وفاطمة، ثم انضمت الفتاة سهى دغمان، وعازف العود يعرب البرغوثي، وعازف الإيقاع هيثم مكية.

هذا ما خلق رابطاً عضوياً بين الفرقة والمخيمات، ولكن في الآن نفسه كان ثمة توازن قائم لأنّ أعضاءها الآخرين متنوعون في انتماءاتهم، أبرزهم الفنان اللبناني حسين منذر الذي تحار في معرفة هويته وجنسيته، فهو فلسطيني الهَم والاهتمام، وهو لبناني بحسب الجنسية، وهو سوري شامي عتيق في لهجته ونشأته. 

هذا التنوع بين الأعضاء جعل الفرقة تتجاوز التنظيمات الفلسطينية وتستوعب الكلمة والنص العابر للحدود: غنّت لعددِ من الشعراء الفلسطينيين والعرب مثل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وأحمد دحبور وأبو الصادق صلاح الحسيني ونزار قباني ويوسف الحسون وسليمان العيسى وميخائيل عيد وغيرهم، مما أتاح لها أن تصبح رمزاً من رموز الثقافة والثورة الفلسطينية.

من هنا تبدو العاشقين بوابة أولى لموسيقى اللاجئين. إنها بداية مسارٍ تطوّر فيما بعد فأصبح قائماً بذاته، لكنّها اتخذت لنفسها أسلوباً مختلفاً: حاولت أن تعيد للاجئ الفلسطيني اعتباره، الأمر الذي خلق ارتباطاً حميمياً بينها وبين جمهورها.

لفهم ذلك، يمكن العودة إلى الأغنية الشعبية الفلسطينية قبل العاشقين، يقسمها الدارسون عادةً إلى ثلاث مراحل قبل نكبة 1948، وهي: المرحلة التقليدية والمرحلة العاطفية والمرحلة الواقعية.

تمحورت الأولى حول مفاهيم طبقة الإقطاع السائدة في ذلك الوقت، فالدين هو محورها، والقضاء والقدر والقبول التام إلى حد القناعة هو أقصى ما تقدمه هذه الأغاني لطبقة الفلاحين والفقراء والحرفيين.

أما المرحلة العاطفية فقد ظهرت بسقوط طبقة الإقطاع ونشوء الطبقة المترفة الجديدة (البرجوازية)، وقد شكّلت منفذاً للطاقة الشعبية لكن دون تجاوز هوامش الطبقة المترفة الناشئة حديثاً.

أما آخر المراحل، أي الواقعية، فقد جاءت نتيجة لحتمية تطور الصراع الوطني في فلسطين مطلع القرن العشرين وبداية الثورات الوطنية الشعبية ضد الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية.

ركّزت الأغنية بعد النكبة اهتمامها على وصف معاناة اللاجئين وأرّخت لمأساتهم، وتهكمت على ما كانت تقدمه المنظمات لهم، وترتبط بها أغانٍ تتحدث عن معاناة اللاجئين.

تخالف العاشقين هذا الأسلوب جذرياً، لا تسخّر وجع اللجوء في البكائيات، بل تذكّر اللاجئ بحقيقة وضعه، تؤرّخ له ماضيه، وتروي له حاضره، وتبتعد حتى بقالبها الفني عن الأغاني التراثية الشعبية، وحين تستعيدها فإنها تفعل ذلك عن طريق التجريب الفني، وعن طريق قول شيءٍ ما جديد من خلال التراث.

المخيّم فاعلاً… لا ضحيّة

تتردد كلمة “مخيم” في أغاني العاشقين كثيراً، لا تصوّره كمكانٍ سلبيّ راضخ لمأساته، بل كفاعل وكشخصية تحمل على عاتقها وجعها وتحوّله إلى فعل.

لذا، بدأت واحدة من أغانيها على هذا النحو: “أحلى قصة حب طلَّت من مخيّم”.

ثم تحدّد للمخيم مجموعة صفات: “مخيّم جرّب علّم وعلّم”، وتخاطبه: “مهما شدّوا الطوق عليك الورق كلّه بإيديك، والقرار الحر مردود إليك”، وتعامله على أنه بيت “المخيّم عيلة الحب الأصيلة… عيلة الثوّار في كلّ الديار”.

وفي أغنية “شوارع المخيم” تحاول الفرقة أن تضمّد الجراح: “شوارع المخيّم تغصّ بالصور، شهيدنا تكلّم فأنطق الحجر”. ولكنّها لا تتجاهل المواجع، ولا تتعامل مع المخيم كأسطورة فوق واقعية، بل كهمٍّ يومي، فأغنيتها “أهلي في المخيّم” تبدأ: “أهلي في المخيم وهمّي في المخيم”، وأغنية “قمران لي” تقول: “قمران لي قمر المخيّم والوطن، جرحان لي جرح المخيّم والقمر… وحنين أهلي النازحين ودمي الحزين، يمدّ كفّيه إلى الوطن الحزين، أهلي هناك وأنا البعيد يعضّني شوكُ المنافي والحدود”.

ولأن معظم أعضاء الفرقة كانوا من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، فقد كانوا قريبين من مجتمعات اللجوء ووضع المخيمات وكذلك شركاء في الحراك الثقافي الفلسطيني. 

ظلّت الفرقة بأعمالها تحاكي زخم تموّجات الواقع الفلسطيني وما يشهده من تحوّلات وتبدّلات. واخترقت بأغانيها سيرَ الناس ومصائرهم، وأضحت وسيلة للتعبير والنقد، ووازت بين هذا كله وبين التوثيق والتأريخ والاسترجاع، حتى باتت مصدراً غنائياً لأحداث فلسطينية كبرى يشاركها الفلسطينيون الكبار مع الصغار.

العاشقين رواة للتاريخ الفلسطيني

تبدو المهمات التي حملتها الفرقة على عاتقها واضحة من طبيعة أعمالها، فقد استندت في ألبومها الأول “بأم عيني” إلى مذكرات المحامية فيليسا لانغر، واعتمدت في ألبومها الثاني “سرحان والماسورة” على حكاية فلسطينية شهيرة هي حكاية سرحان العلي الذي نسف ماسورة النفط عام 1936 في الثورة الفلسطينية.

بينما يقوم ألبومها الثالث على قصة عز الدين القسام، ويحمل اسمه، أما الرابع “الكلام المباح” فتروي فيه مجريات الحرب في بيروت وقصص سير المعارك طوال أكثر من ثمانين يوماً، حتى أصبح هذا العمل وثيقة تاريخية غنائية عن مجريات الحرب، ومع الانتفاضة الفلسطينية الأولى أنتجت العاشقين ألبومين هما “مغناة الأطفال” و”أطفال الحجارة” وسبق ذلك استعادتها للتراث في ألبوم “دلعونا وظريف الطول”، والحديث عن الحنين كسمة فلسطينية في “طير الغربة”. 

كانت أغنية العاشقين إلى جانب أنها فعلٌ جماليّ وحدثٌ فنيّ استفزازاً للذاكرة الفلسطينية اللاجئة، عمّقت ارتباط الإنتاج الثقافي الموسيقي بالحدث التاريخي أو الملحمي، بلورت المعرفة والوعي وحوّلتهما إلى شكلٍ من أشكال الإدراك الهوياتي الجمعي.

كانت أغنية العاشقين التاريخية، السياسية بمعناها العام، تروي الحدث التاريخي للاجئين، وفي الآن نفسه تحوّل التعابير الحسية الفردية من آلام وحزن واغتراب وفقدان إلى تعابير خطابية موسيقية.

من هنا أصبحت أغنية “اشهد يا عالم علينا وع بيروت” التي تروي مجريات الحرب في بيروت سنة 1982 لا وثيقة تاريخية فحسب، بل تحويلٌ للفردي إلى جماعي، إلى خطابٍ سياسي موجه للعالم.

لذا التفّ اللاجئون حول العاشقين. لم تتواصل معهم فحسب، بل حفّزت التواصل فيما بينهم، حاولت أن تجمع أولئك الذين فُرِّق شملهم، وظلّت تؤكد على النجاة الجماعية في مواجهة النجاة الفردية.

أثبتت أنّ الثورة الفلسطينية المعاصرة تمتد إلى الحقل الثقافي والفني، وكانت نفسها رمزاً من رموزها، أقامت حفلات في مختلف بلدان العالم، وحصدت المرتبة الأولى في مهرجان “كون فيلانس” الدولي في فرنسا أمام 32 فرقة عالمية، وقدّرت لجنة التحكيم وقتها أنّ عمر الألحان بآلاف السنين، مما أثار استياء واحتجاج السفارة الإسرائيلية في فرنسا.

الهُويّة حين تُغنّى جماعياً

لم تقدم الفرقة أغاني تراثية شعبية إلا ما ندر، ولم تكن فرقة سياسية بمعنى الكلمة، بل نهلت من التراث الفلسطيني حيناً، وأفادت مما وصلت إليه الأغنية المعاصرة حيناً آخر.

إلا أنّ أكثر ما استفادت منه هو هوية أعضائها، فبوصفهم لاجئين فلسطينيين يقيم معظمهم في المخيمات الفلسطينية، استطاعوا أن يخلقوا لغة تواصل مع جمهورهم وابتكار حالة من التفاعل معه، سيما أن هذا الجمهور كان أيضاً من اللاجئين الفلسطينيين.

قارب ثقل هوية اللجوء وما تسبّبه من هَم بين الفرقة ومتلقّيها، إضافة إلى أنّ اهتمامها بالحياة اليومية شديدة الصعوبة وتجاوزها لأيقنة المفاهيم الفلسطينية وتأطيرها في هالة من القداسة، قرّبها من اليوميّ والحياتي، دون إغفال الأحداث الكبرى في الحياة الفلسطينية ودون الحط من مفاهيم فلسطينية لا تخضع للمساومة.

من خلال كل ذلك تمكّنت الفرقة من ابتكار وسيلة تواصل مع جمهورها من اللاجئين الفلسطينيين: غنّت للشهيد والأسير والجريح وللكفاح والمقاومة والعودة والتحرير، وفي الآن نفسه غنّت للمخيم والفلاح والمدينة والهّم اليومي.

قدّمت الفرقة قصيدة توفيق زياد كنهجٍ لها: “قصائدنا بلا لون، بلا طعمٍ بلا صوت، إن لم تحمل المصباح من بيتٍ لبيت، وإن لم يفهم البسطاء معانيها، فأولى أن نذريها، ونخلد نحن للصمت”.

ومثلها اختارت قصيدة محمود درويش، استجواب: “ويستجوبونه لماذا تغنّي؟ يرد عليهم: لأني أغنّي. وقد فتّشوا صدره فلم يجدوا غير قلبه. وقد فتّشوا قلبه فلم يجدوا غير شعبه. وقد فتّشوا صوته فلم يجدوا غير حزنه”.

يتحدث الباحث والموسيقي الأيرلندي لوِس برهوني في كتابه “موسيقى فلسطينية في الغربة: أصوات المقاومة” عن فرق فلسطينية في الخارج وما تمثله موسيقاهم الجماعية، من بينها العاشقين.

يقول برهوني: “كونهم رفاق يعني الهروب من عزلة تحمّل هذه الفترة بشكلٍ فردي، لكنها تعني أيضاً التعليم السياسي والمساحة لتصوّر موسيقى فلسطينية في المستقبل. يعني هذا الالتزام غير المكتمل للفرقة الموسيقية أنّ أزمات الساحات السياسية والاقتصادية، في فلسطين وتركيا والعالم بشكل عام، لا يمكن حلها إلا بشكلٍ جماعي”.  

في هذا السياق، لا تعود الموسيقى مجرد ظاهرة ثقافية تُعنى بحفظ الذاكرة وبناء السردية، بل تتحول إلى ممارسة سياسية جماعية، يصبح فيها الفلسطينيون فاعلين لا متلقّين، ولا تبدو أغنية ‘العاشقين’ خطاباً تصدره الفرقة وحدها، بل خطاباً جماعياً يُصاغ بمساهمة اللاجئين أنفسهم

فآليات تلقي الغناء الفلسطيني، ولا سيما في مجتمعات اللجوء، لا تقوم على علاقة سلبية بين أغنية وجمهور، بل على إحساس جمعي بالمشاركة، يُعيد تشكيل حدود الصوت ومن يتكلم من خلاله. هنا، لا تُغنّى الأغنية للجمهور وحده، بل تُصنع معه؛ وحين تصل إليه، لا يتلقّاها بوصفها عنه فقط، بل بوصفها منه، وفيه.