بعد مرور أكثر من عام ونصف على التغيرات السياسية وسقوط النظام، توجهت الأنظار نحو مخيمات الشمال السوري التي لا تزال تأوي مئات العائلات الفلسطينية السورية. ومع تراجع المخاوف الأمنية التي كانت تمنع كثيراً من النازحين من العودة، بدت العودة إلى المخيمات ممكنة، لكن عوائق أخرى برزت أمام العائلات، أبرزها دمار المنازل وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة.
العودة إلى اليرموك.. عوائق السكن والمعيشة
بعد سقوط النظام، لم تتردد نهاد رشيد المدني، الفلسطينية من مخيم اليرموك، في العودة إلى المخيم الذي غادرته خلال سنوات الحرب. أُنشئ المخيم عام 1957 جنوب دمشق، ويبعد نحو 8 كيلومترات عن مركز العاصمة. وكان قبل الحرب أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا، وتعرض لدمار واسع خلال سنوات الحرب.
كانت تأمل أن تجد، ولو بصعوبة، مكاناً تستطيع أن تعيش فيه بعيداً عن الخيمة، أو بيتاً لأهلها أو أقاربها يمكن أن تستقر فيه، لكنها تقول إن ما رأته عند عودتها كان دماراً واسعاً، إذ لم تجد منزلاً صالحاً للسكن، ولم يبقَ أمامها سوى البحث عن بيت للإيجار.
قضت نحو عشرة أيام متنقلة بين أقاربها، تبحث عن منزل يناسب قدرتها المادية، وفي الوقت نفسه حاولت العثور على عمل يعينها على تكاليف المعيشة، لكنها لم تتمكن من إيجاد عمل مناسب.
تقول إن بعض فرص العمل التي عُرضت عليها كانت تتطلب استخدام ثلاث وسائل نقل للوصول إليها، بحيث كان جزء كبير من الأجر سيذهب على المواصلات. ومع عدم امتلاكها بيتاً أو مصدراً ثابتاً للدخل، وارتفاع الإيجارات، قررت نهاد العودة إلى الشمال، وتحديداً إلى مخيم دير بلوط.
تبلغ نهاد 48 عاماً، وهي منفصلة عن زوجها تعيش في المخيم مع ابنتها. تقول إنها كانت تعيش سابقاً مع زوجها وابنها وابنتها، قبل أن تتغير حياتها بعد وفاة ابنها عام 2013. وبعد سقوط النظام، عادت إلى اليرموك وهي تأمل أن تتمكن من تدبير حياتها هناك، لكنها وجدت أن الأمر أصعب مما توقعت.
فحتى عندما بحثت عن منزل، كانت الأسعار أعلى من قدرتها؛ وتقول إن ما سمعته عن الإيجارات تراوح بين نحو 60 و70 دولاراً في بعض الحالات، فيما وصلت أسعار أخرى إلى 150 و200 دولار، بينما لم تكن تملك المال الكافي لتأمين الإيجار والمصاريف الأساسية من ماء وكهرباء ومعيشة.
تقول نهاد إن عودتها لم تستمر سوى نحو عشرة أيام، وإنها خلال تلك الفترة لم تجد مكاناً مستقراً تعيش فيه ولا عملاً تستطيع الاعتماد عليه، فاضطرت إلى العودة إلى دير بلوط. ورغم أنها كانت سعيدة في البداية بالعودة إلى المنطقة التي تنتمي إليها وتحن إليها، فإن مشهد الدمار جعلها تدرك أن اليرموك لم يعد، في وضعه الحالي، مؤهلاً للسكن بالنسبة إليها.
واليوم تعيش في خيمة اشترتها، وتقول إن وضع المخيم سيئ أيضاً، إذ يقع دير بلوط في منطقة جنديرس بريف عفرين شمال غربي سوريا، ويضم قسمين هما دير بلوط والمحمدية. وتضطر نهاد أحياناً إلى الاستدانة لتأمين مصاريفها، إلا أن عدم وجود إيجار منزل يبقى السبب الأساسي الذي يجعل بقاءها في دير بلوط ممكناً.
وتختصر نهاد موقفها من العودة بجملة واضحة: لو كان لديها بيت في اليرموك، ولو وجدت مكاناً تستطيع السكن فيه، لكانت عادت. لكنها لا تستطيع، في وضعها الحالي، أن تتحمل كلفة الإيجار والمعيشة وحدها، لذلك بقيت في المخيم، رغم سوء ظروفه، لأن العودة بالنسبة إليها مرتبطة بالقدرة على تأمين السكن والعمل ومقومات الحياة الأساسية.
المخيم كذاكرة وهوية.. عودة متفاوتة وتحديات اقتصادية
يقول الكاتب والباحث الفلسطيني ماهر حجازي إن العودة إلى المخيمات الفلسطينية استمرت بعد سقوط النظام، وإن التغيير السياسي فتح المجال أمام عودة العائلات إلى مخيماتها، وإن كانت هذه العودة متفاوتة بحسب وضع كل مخيم.
ويشير حجازي، استناداً إلى خمس زيارات أجراها إلى سوريا ومخيم اليرموك، إلى أنه لاحظ في كل زيارة زيادة في أعداد العائلات التي تعود إلى المخيم، موضحاً أن المشهد الذي كان يقتصر في البداية على عائلة واحدة تسكن في أحد أحياء اليرموك تغيّر تدريجياً، وأن أعداد السكان داخل المخيم بدأت بالارتفاع.
لكنه يلفت إلى أن هذا الأمر لا ينطبق بالدرجة نفسها على المخيمات التي تعرضت لدمار واسع، مثل اليرموك وحندرات وأجزاء من مخيم درعا، إذ تجعل الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمنازل العودة أكثر صعوبة، بينما عادت عائلات إلى مخيمات لم تتعرض للدمار بالدرجة نفسها.
ويضع حجازي مجموعة من العوامل التي لا تزال تعرقل عودة الفلسطينيين، في مقدمتها تدمير المنازل وصعوبة تحمل تكاليف إعادة ترميمها. ويشير إلى أن بعض العائلات تعود رغم أن منازلها لا تزال تفتقد إلى أبواب أو نوافذ، لأن ارتفاع إيجارات المنازل يجعل السكن داخل المخيم، حتى في ظروف غير مكتملة، خياراً أقل كلفة.
وفي المقابل، فإن ارتفاع أسعار مواد البناء وغلاء المعيشة في سوريا يجعلان إعادة تأهيل المنازل أمراً صعباً بالنسبة إلى كثير من الأسر. كما يلفت إلى مشكلة الخدمات، ولا سيما ضعف توفر مياه الشرب والكهرباء وإزالة القمامة والخدمات الصحية؛ فوجود مراكز طبية لا يعني توفر مستشفى داخل المخيم، وهو ما يزيد صعوبة الحياة بالنسبة إلى العائلات التي تحتاج إلى رعاية صحية.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين الموجودين في مخيمات وتجمعات الشمال السوري، يعتقد حجازي أن معظم العائلات ترغب بالعودة إلى مخيماتها الأصلية، ولا سيما أبناء مخيمات جنوب دمشق مثل اليرموك والسبينة والحسينية وجرمانا وغيرها، متى توفرت لها مقومات أساسية، وفي مقدمتها منزل تستطيع السكن فيه.
لكنه يرى أن غلاء الأسعار وضعف الخدمات يؤثران بشكل مباشر في قرار العودة. وفي الوقت نفسه، يشدد على أن القول بعدم وجود عودة إلى المخيمات ليس دقيقاً، فهناك، بحسب ما يراه خلال زياراته، حركة متصاعدة لعودة الناس والحياة، وخصوصاً إلى مخيم اليرموك، وإن كانت هذه العودة لا تزال بطيئة.
كما يرى حجازي أن للمخيم مكانة خاصة في ذاكرة الفلسطينيين وحياتهم الاجتماعية. ويقول إن أبناء المخيم، رغم الدمار والغلاء وضعف الخدمات، ما زالوا متمسكين بإعادة الحياة إليه، لأنها تمثل لهم أجواء اجتماعية وعائلية افتقدوها خلال سنوات الغربة والنزوح.
ويستشهد بتجربته الشخصية، موضحاً أنه ولد في مخيم اليرموك وترعرع فيه وتزوج ودرس وعاش تفاصيل حياته داخله، كما عاش فترة الحصار والموت خلال سنوات الحرب، وعمل في الإعلام على نقل صورة المخيم ومعاناة سكانه إلى العالم. ولهذا، يقول إن الحنين إلى اليرموك لا يزال حاضراً لديه ولدى كثير من أبناء المخيم، حتى بعدما تغير شكله بفعل الدمار.
ويرى حجازي أن هناك إصراراً من فلسطينيي سوريا على إعادة الحياة إلى مخيماتهم، مشيراً إلى جهود المؤسسات والناشطين في اليرموك للحديث عن احتياجات المخيم ومعاناته ومحاولة إعادة إحياء الحياة والتقاليد داخله. ويعتقد أن التمسك بالمخيم يرتبط أيضاً بفكرة العودة إلى فلسطين، إذ يرى أن المخيم بالنسبة إلى الفلسطينيين يمثل محطة على طريق العودة، ولذلك فإن إعادة بنائه واستعادة الحياة فيه تحمل بالنسبة إليهم معنى يتجاوز السكن.
المخيم بالنسبة إلى الفلسطينيين يمثل محطة على طريق العودة.
ويؤكد أن الوضع الاقتصادي الصعب في سوريا يجعل إعادة إعمار المخيمات مرتبطة بملف إعادة إعمار سوريا بشكل عام، وأن التحسن في هذا المجال لا يزال بطيئاً.
ويشير حجازي أيضاً إلى أن مشكلة العودة لا تخص الفلسطينيين وحدهم، إذ يواجه السوريون الذين نزحوا من مناطق مختلفة إلى الشمال ظروفاً مشابهة من حيث دمار المنازل والوضع الاقتصادي وصعوبة تأمين السكن والعمل. كما يضيف أن هناك فئة أخرى من الفلسطينيين، خصوصاً الموجودين في أوروبا أو في الخارج، ترغب بالعودة إلى سوريا أو حتى زيارة مخيماتها، لكنها تواجه عوائق مرتبطة بوضعها القانوني وعدم امتلاك بعضهم وثائق أو جنسيات تتيح لهم العودة.
وبالنسبة إليه شخصياً، فإن العودة إلى مخيم اليرموك تمثل، قبل العودة إلى فلسطين، عودة إلى المكان الذي شكل جزءاً أساسياً من حياته وذاكرته، ويعتبر أن عودة الفلسطينيين إلى مخيماتهم في هذه المرحلة يمكن أن تكون محطة على طريق العودة الفلسطينية الكبرى.
تعقيدات الملكية وغياب الخدمات.. العوائق القانونية والاقتصادية
ولا تتوقف عوائق العودة، بحسب الحقوقي الفلسطيني أيمن أبو هاشم، عند الدمار الذي لحق بالمنازل، إذ تتداخل معها مشكلات قانونية واقتصادية تجعل عودة كثير من النازحين إلى مخيماتهم الأصلية محدودة.
ويشير إلى أن مخيمات فلسطينية عدة، وفي مقدمتها مخيم اليرموك، إضافة إلى مخيمي درعا وحندرات، تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب، ما يجعل العودة مستحيلة بالنسبة إلى عائلات لم يعد لديها مسكن صالح للعيش. وحتى العائلات التي تمكنت من ترميم منازلها واجهت صعوبات في الحصول على رخص الترميم وتأمين تكاليفه، في ظل محدودية الإمكانات المالية لدى النازحين.
وتزداد المشكلة تعقيداً بالنسبة إلى أصحاب العقارات بسبب تعدد أشكال الملكية في بعض المخيمات، ولا سيما اليرموك، وفقدان عدد من النازحين وثائق تثبت ملكياتهم نتيجة النزوح والتهجير وتلف الوثائق أو ضياعها.
ويوضح أبو هاشم أن بعض الملكيات كانت على الشيوع، ومع تدمير الأبنية وغياب الإفراز ظهرت صعوبات في تحديد حقوق المالكين ومواقع مساكنهم، إلى جانب نشوء نزاعات عقارية في بعض الحالات.
كما يشير إلى وجود حالات واجه فيها نازحون أشخاصاً آخرين يشغلون منازلهم، فضلاً عن مشكلات مرتبطة بعمليات تزوير ونقل غير قانوني للملكية حدثت خلال سنوات الحرب، ما يضع أصحاب العقارات أمام معارك قانونية جديدة لإثبات ملكياتهم واستعادتها.
لكن حتى عندما يكون وضع الملكية واضحاً، لا يعني ذلك أن العودة تصبح ممكنة. فارتفاع الإيجارات في مناطق العودة يمثل، وفق أبو هاشم، عائقاً كبيراً أمام الأسر التي تنتمي في الأصل إلى شرائح اقتصادية محدودة الدخل. ويضاف إلى ذلك غياب فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل الأسرة بحاجة إلى استقرار اقتصادي وخدمات أساسية.
ويرى أبو هاشم أن مسؤولية تهيئة ظروف العودة تقع على أكثر من جهة، وفي مقدمتها الدولة السورية، التي يفترض أن تدرج إعادة إعمار المخيمات ومناطق سكن اللاجئين ضمن خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار.
كما يحمّل الأونروا مسؤولية استعادة الخدمات التي كانت تقدمها في المخيمات، بما فيها الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، معتبراً أن تراجع دورها بسبب العجز المالي والضغوط التي تواجهها ينعكس مباشرة على قدرة اللاجئين على العودة والاستقرار.
ويرى كذلك أن لمنظمة التحرير الفلسطينية مسؤولية في تهيئة ظروف العودة ودعم مشاريع الإسكان والخدمات، لكنه يقول إن هناك شعوراً لدى اللاجئين بأن دورها لا يزال محدوداً ولا يلامس حجم المشكلات الأساسية التي يواجهونها.
وبحسب أبو هاشم، فإن تشجيع العودة يحتاج إلى شرطين أساسيين: الأول توفير برامج ومشاريع لدعم السكن وترميم المنازل، والثاني تحريك الحياة الاقتصادية وتأمين فرص العمل والخدمات الأساسية.
ويشير إلى أن بعض برامج الترميم والمساعدات الموجودة لا تزال محدودة، كما أن بعض شروط الحصول على منح الترميم، ومنها اشتراط إقامة صاحب الطلب في المنزل المراد ترميمه، قد تكون صعبة التطبيق بالنسبة إلى عائلات لا يمكنها السكن في منزل غير صالح للعيش.
خيارات قاسية.. من دمشق إلى خيام دير بلوط مجدداً
قاسم، وهو فلسطيني من مخيم اليرموك، انتقل مع زوجته ديالا وأطفالهما الثلاثة إلى منطقة البويضة قرب السيدة زينب، حيث استأجرت الأسرة منزلاً مقابل نحو مليون ليرة سورية شهرياً.
قاسم يعمل بالأجر اليومي في مطبعة، ويتقاضى نحو 200 إلى 250 ألف ليرة سورية في الأسبوع، أي ما يقارب أقل من عشرين دولاراً أمريكياً، وهو دخل لم يكن يكفي، بحسب زوجته، لتغطية الإيجار ومصاريف الماء والكهرباء والطعام وبقية احتياجات الأسرة.
تقول ديالا إن الأسرة أمضت عدة أشهر في دمشق وهي تعتمد على الدين لتأمين مصاريفها، حيث لم يكن دخل قاسم ثابتاً أو كافياً، فيما كانت تكاليف المعيشة مرتفعة.
وكان قاسم، بعد انتقاله إلى الشمال السوري عام 2018، يعمل أيضاً في أعمال يومية، قبل أن يعتمد لاحقاً على جمع الحديد والبلاستيك والنايلون وبيعها لتأمين مصروف الأسرة.
وبعد أشهر قضتها الأسرة في البويضة، قررت العودة إلى مخيم دير بلوط. وتقول ديالا إن السبب الأساسي كان ارتفاع كلفة السكن والمعيشة في دمشق، وعدم قدرة زوجها على تأمين دخل يكفي الأسرة. ففي المخيم، ورغم سوء الظروف وغياب الخدمات الأساسية، لا تضطر الأسرة إلى دفع إيجار منزل، وهو ما جعل البقاء هناك أقل كلفة بالنسبة إليها.
لكن العودة إلى المخيم لم تعنِ أن الأسرة وجدت ظروفاً أفضل. تقول ديالا إن الخيمة شديدة الصعوبة في الشتاء، حيث تتسرب إليها المياه، وفي الصيف تصبح شديدة الحرارة، كما لا تتوفر للأسرة خدمات صحية قريبة؛ فإذا مرض أحد الأطفال ليلاً، فإن الوصول إلى المستشفى يمثل مشكلة بسبب بعد المشافي. وتقول إن المخيم لا يوفر أيضاً أدوية أو مساعدات منتظمة أو سلالاً شهرية يمكن أن تساعد الأسرة على مواجهة هذه الظروف.
وتزامنت معاناة الأسرة الاقتصادية مع أزمة صحية يعيشها قاسم نفسه. فقد كان يعاني منذ سنوات إصابة في كتفه الأيمن نتيجة رصاصة، ثم تعرض قبل أيام من المقابلة لحادث أدى إلى إصابة كتفه الآخر وخلعه، وكان يستعد لإجراء عملية تحتاج إلى صفائح. بلغت تكلفة الصفائح نحو 120 دولاراً، وقالت زوجته إن المشفى خفّض المبلغ إلى النصف، لكن الأسرة لم تتمكن من تأمين نحو 60 دولاراً لإجراء العملية في موعدها، فتأجلت العملية إلى اليوم التالي ريثما تحاول تدبير المبلغ.
وتقول ديالا إن زوجها ما زال متعلقاً بدمشق ويرغب في العودة إليها، وإن الأسرة كانت تتمنى أن تتمكن من الاستقرار هناك، لكن غياب الدخل الكافي وارتفاع الإيجار وتكاليف المعيشة دفعاها إلى العودة إلى المخيم.
وبالنسبة إليها، فإن وجود منزل يمكن للأسرة أن تسكن فيه من دون تحمل إيجار، إلى جانب مصدر دخل يساعدها على تأمين احتياجاتها، قد يجعل العودة إلى دمشق ممكنة من جديد. أما في ظل الظروف الحالية، فالمخيم، رغم سوء خدماته وظروف السكن فيه، يبقى الخيار الأقل كلفة بالنسبة إلى أسرة مكونة من خمسة أشخاص.
تباين في حركة العودة.. لغة الأرقام في مخيمات الشمال
وتعكس تجربة مخيم دير بلوط والمحمدية حجم الفجوة بين الرغبة في العودة والقدرة الفعلية عليها. ويقول محمد إبراهيم عبد الله أبو جهاد، مسؤول المخيم، إن عدد الأسر الموجودة فيه انخفض من نحو 300 عائلة قبل سقوط النظام إلى نحو 75 عائلة حالياً، بعدما عادت قرابة 225 عائلة إلى مناطقها الأصلية.
لكن العائلات التي بقيت، وفق أبو جهاد، هي في الغالب من الأسر التي لا تملك خياراً فعلياً للعودة، إما لأن منازلها دُمرت أو لأنها لا تملك القدرة المالية على تأمين مسكن وحياة مستقرة في مناطق العودة.
ويقدّر أبو جهاد عدد سكان المخيم الحاليين بنحو 400 شخص، ويقول إن بينهم مرضى وكباراً في السن وأشخاصاً لا يملكون مصادر دخل ثابتة. ويضيف أن بعض العائلات التي عادت استطاعت تدبير أمورها لأنها تملك منزلاً غير مدمر أو تلقت دعماً مكّنها من العودة، بينما بقيت أسر أخرى لأن منازلها دُمرت بالكامل أو لأنها لا تستطيع تحمل تكاليف السكن والمعيشة.
ولا يرى أبو جهاد أن الظروف المعيشية في دير بلوط تجعل البقاء فيه سهلاً. فبحسب إفادته، انقطعت معظم الخدمات والمساعدات، ولا تتوفر سوى مياه الغسيل، فيما لا تزال مشكلة جمع القمامة قائمة، كما توقفت المساعدات النقدية والإغاثية.
ويقول إن المخيم لم يتلقَّ، منذ فترة طويلة، زيارات أو دعماً من الجهات الفلسطينية المعنية بملف اللاجئين، رغم تواصل إدارة المخيم معها وطلب زيارتها.
ويذكر حالة أسر عادت إلى جنوب دمشق ثم رجعت إلى المخيم بعد أن وجدت أن تكاليف الإيجار تفوق قدرتها، موضحاً أن إيجار المنزل في بعض مناطق جنوب دمشق قد يصل إلى نحو 150 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ يصعب تأمينه بالنسبة إلى أسر تعاني أصلاً من البطالة وضعف الدخل.
وفي مخيم حيفا الكرمل تبدو حركة العودة أكثر محدودية. ويقول أبو علي الرماح، مسؤول المخيم، إن عدد الأسر فيه يبلغ نحو 350 أسرة، ولم تسجل إدارة المخيم، حتى وقت إجراء المقابلة، عودة أي أسرة من سكانه إلى مخيم اليرموك.
وتضيف هذه المعطيات صورة أخرى إلى واقع الفلسطينيين السوريين في مخيمات الشمال؛ فبينما يشير مسؤول مخيم دير بلوط والمحمدية إلى عودة نحو 225 عائلة من أصل 300 كانت تقيم فيه قبل سقوط النظام، لم تسجل إدارة حيفا الكرمل عودة أي أسرة إلى اليرموك حتى وقت المقابلة.
المسؤولية المؤسساتية.. من الإغاثة المؤقتة إلى التنمية المستدامة
ولفهم هذا التباين في حركة العودة، يوضح محمد حذيفة طه، من هيئة الفلسطينيين السوريين، أن هناك ما بين 700 و800 عائلة فلسطينية سورية لا تزال تعيش في مناطق شمال غربي سوريا. ورغم أن الرغبة في العودة تكاد تكون جماعية وتتجاوز نسبتها 95% من العائلات، إلا أن المعادلة على الأرض قد تغيرت؛ فزوال القبضة الأمنية أزال حاجز الخوف، ليحل محله عائق اقتصادي ولوجستي يتعلق بالقدرة الفعلية على تحمل تكاليف العودة.
زوال القبضة الأمنية أزال حاجز الخوف، ليحل محله عائق اقتصادي ولوجستي.
ويشرح طه هذا العائق بلغة الأرقام، مبيناً أن متوسط دخل الأسرة في مخيمات الشمال يتراوح بين 90 و150 دولاراً شهرياً، في حين أن إيجار منزل متواضع في مخيم اليرموك يبدأ من 75 دولاراً. يضاف إلى ذلك حجم الدمار الهائل الذي يجعل تأمين السكن تحدياً بالغ الصعوبة؛ ففي مخيم اليرموك وحده، يحتاج أكثر من نصف المنازل إلى ترميم أو إعادة إعمار، بينما طال الدمار نحو ثلثي مخيم حندرات.
وما يزيد المشهد تعقيداً على العائلات، هو تراجع حجم الدعم الإنساني في مخيمات الشمال بعد التحرير، حيث غادرت العديد من المنظمات التي كانت تؤمن الخدمات الأساسية كالمياه والخبز، مما وضع الأهالي أمام ظروف قاسية تشبه بدء رحلة نزوح جديدة. ورغم ذلك، لم تُسجل حالات نزوح عكسية لمن تمكنوا من العودة إلى مخيماتهم الأصلية. بل يبرز مخيم اليرموك كنموذج استثنائي للإصرار، حيث قفز عدد العائلات المقيمة فيه بحسب طه من 1900 عائلة عقب سقوط النظام إلى نحو 9500 عائلة اليوم، رغم الدمار الواسع وغياب الكثير من الخدمات.
ويرى محمد حذيفة طه أن استدامة العودة تحتاج إلى تأمين السكن والخدمات وفرص العمل، إلى جانب الانتقال من المساعدات المؤقتة إلى دعم إعادة تأهيل المناطق التي يعود إليها الفلسطينيون السوريون.



