تخطّي إلى المحتوى
مفتاح ميديا مِفتاح
دالية

فتيات مخيم حيفا الكرمل: من مقاعد الدراسة إلى حقول الشمال السوري

قبل أن تشرق الشمس، تبدأ بعض الفتيات الفلسطينيات في مخيم حيفا الكرمل شمال غربي سوريا يومهن في اتجاه مختلف عن أقرانهن. فبدلًا من حمل الحقائب المدرسية، يتوجهن إلى الحقول الزراعية للعمل في مواسم قلع البطاطا وجني…

فتاة من مخيم حيفا الكرمل تعمل في حقول البطاطا بدلاً من الذهاب إلى المدرسة

قبل أن تشرق الشمس، تبدأ بعض الفتيات الفلسطينيات في مخيم حيفا الكرمل شمال غربي سوريا يومهن في اتجاه مختلف عن أقرانهن. فبدلًا من حمل الحقائب المدرسية، يتوجهن إلى الحقول الزراعية للعمل في مواسم قلع البطاطا وجني المحاصيل، في محاولة لمساندة أسر أنهكتها سنوات اللجوء والنزوح وغياب مصادر الدخل.

يقع مخيم حيفا الكرمل على سفح جبل كلي في ريف إدلب الشمالي، ويضم نحو 350 أسرة، بينها 125 أسرة فلسطينية نزحت معظمها من مخيم اليرموك ومناطق سورية أخرى خلال سنوات الحرب، إلى جانب عائلات سورية نازحة. ويزيد موقع المخيم الجبلي وبعده عن المراكز الخدمية من صعوبة الوصول إلى المدارس والرعاية الصحية وفرص العمل، ما دفع بعض الأسر إلى الاعتماد على الأعمال الزراعية الموسمية كمصدر رئيسي للدخل.

الطريق إلى الحقول لم يكن خيارًا

عند الخامسة صباحًا، كانت مها (23 عامًا) تستيقظ قبل شروق الشمس، تترك ابنها الصغير مع أسرتها وتسير برفقة فتيات المخيم نحو الحقول الزراعية. لم تكن وجهتها مدرسة أو جامعة، إنما حقول البطاطا في ريف إدلب، حيث تبدأ ساعات طويلة من العمل الشاق مقابل أجر يومي لا يتجاوز 100 ليرة تركية (نحو 2.5 دولار أمريكي). بالنسبة لمها، كان العمل وسيلتها لمساعدة أسرتها، لا خيارًا اتخذته بإرادتها.

نزحت مها مع أسرتها من مخيم اليرموك إلى شمال غربي سوريا، قبل أن تستقر في مخيم حيفا الكرمل. تركت المدرسة وهي في الصف الخامس خلال سنوات حصار مخيم اليرموك، ولم تتمكن من العودة إلى الدراسة لاحقًا، بعدما أصبحت أكبر سنًا من زميلاتها، لتبدأ مرحلة جديدة فرضتها ظروف النزوح والفقر.

كانت تغادر المنزل سيرًا على الأقدام مع أذان الفجر، وتمضي نحو سبع ساعات في الحقول تحت أشعة الشمس، مع استراحة لا تتجاوز نصف ساعة، قبل أن تعود إلى المنزل لتكمل أعمال الطهي ورعاية أسرتها. أما أول أجر حصلت عليه، فلم تنفقه على نفسها، بل خُصص لشراء دواء لوالدتها المصابة بارتفاع ضغط الدم، بينما استُخدم الأجر التالي لتأمين مؤونة المنزل.

اليوم، لم تعد مها تعمل في الزراعة، لكنها لا تزال تعيش الظروف الاقتصادية نفسها. فهي مطلقة وتعيل طفلًا صغيرًا، وتقيم مع والديها المسنين في المخيم، بينما تعتمد الأسرة على دخل محدود وعلى الاستدانة من أحد المحال القريبة.

تقول: “لو ما كنت مضطرة، ما كنت طلعت على الشغل… كل اللي بتمناه يكون في دخل ثابت حتى أقدر أعيش أنا وأهلي وابني بكرامة.”

يربط محمد رزاز (75 عامًا)، والد مها، اضطرار ابنته للعمل الزراعي بسلسلة طويلة من محطات النزوح التي عاشتها العائلة منذ سنوات الحرب في سوريا. ويقول إن فقدانهم لمصدر الدخل بعد مغادرة مخيم اليرموك دفع بناته، ومن بينهن مها، إلى العمل في الحقول لمساعدة الأسرة.

ويضيف أن الظروف المعيشية القاسية التي مرت بها العائلة جعلت عمل الفتيات خيارًا اضطراريًا، مؤكدًا: “لو كان عندنا مصدر رزق، ما كنت مها اشتغلت بالشمس طول النهار.”

ويشير إلى أن سنوات النزوح لم تقتصر آثارها على فقدان المنزل، بل امتدت إلى تراجع فرص التعليم وغياب الاستقرار، موضحًا أن الأسرة تعيش اليوم في مخيم حيفا الكرمل دون خدمات أساسية كافية، ما يزيد من صعوبة الحياة اليومية.

ضربة شمس أنهت تجربة جنى في الحقول

لم تكن أم مهند، البالغة من العمر 51 عامًا، تتخيل يومًا أنها ستعمل في الحقول الزراعية. لكن بعد سنوات من النزوح، وغياب فرص العمل للرجال، وجدت نفسها مضطرة للخروج إلى مواسم قلع البطاطا وجني الخيار والباذنجان والزيتون لتأمين احتياجات أسرتها.

تقول إنها كانت تغادر منزلها فجراً، وتقضي يومًا كاملًا في العمل مقابل أجر يومي لا يتجاوز مئة ليرة تركية، مضيفة: “كنا نطلع من بعد صلاة الفجر وما نرجع إلا العصر، بالشوب وبالشتا، لأن ما كان في شغل للرجال، وكنا مضطرين نشتغل.”

ورغم قسوة الظروف، حاولت ألا تدفع ابنتيها إلى العمل، لأنها كانت ترى أن ما تواجهه النساء في الحقول يفوق قدرة الفتيات الصغيرات. وتوضح: “الشغل متعب، وأحيانًا صاحب الأرض يعصب علينا، ونضطر نتحمل، لذلك ما كنت بدي بناتي يعيشوا هالتعب.”

لكن الحاجة دفعتها إلى اصطحاب ابنتها جنى معها في أحد الأيام، على أمل أن تساعدها في العمل. إلا أن التجربة انتهت سريعًا، إذ لم تستطع الفتاة احتمال حرارة الشمس.

تروي الأم: “نزلت جنى معي يوم واحد، ومن الشمس صار معها ضربة شمس، ورجعناها عالبيت، وما عاد خليتها تطلع معي أبدًا.”

اليوم، لا تعمل جنى في الحقول، لكنها أيضًا لا تتابع تعليمها، بعدما انقطعت عن الدراسة مع شقيقتها بسبب بُعد المدرسة وصعوبة الوصول إليها. وتقول أم مهند إن ابنتيها تمضيان معظم وقتهما في المنزل، في ظل غياب فرص التعليم والعمل معًا.

وتختم حديثها بالقول: “نحن بالأصل ضد إنه البنت تشتغل هيك شغل صعب، لكن الحاجة هي اللي أجبرتنا. لو كان في مصدر رزق، ما كنا فكرنا بهالشي أصلًا.”

رغد… تقاوم للبقاء قريبة من المدرسة

رغم أن رغد، البالغة من العمر 14 عامًا، لم تعمل في الحقول حتى الآن، فإنها تواجه مصيرًا مشابهًا لكثير من فتيات المخيم. فمنذ أن انقطعت عن الدراسة، أصبحت تمضي معظم وقتها في المنزل، بينما تخطط أسرتها لإرسالها إلى العمل الزراعي مع شقيقها خلال المواسم.

كانت رغد قد أنهت الصف الخامس، وكان من المفترض أن تتابع تعليمها حتى المرحلة الإعدادية، إلا أن أسرتها أوقفتها عن الدراسة بحجة أنها “كبرت” وأصبح خروجها إلى المدرسة غير مناسب، في حين لم تعتبر الأسرة عملها في الحقول مصدر قلق مماثل.

وتقول المعلمة حنان الخطيب إن رغد ما تزال تزورها بين الحين والآخر، ولا تخفي رغبتها في العودة إلى المدرسة، مضيفة: “كلما جاءت إليّ كانت تقول: يا خالتي، بدي أتعلم. هي بنت ذكية جدًا، وتحب الدراسة، وما زالت تحاول تقنع أهلها يرجعوها عالمدرسة.”

وتضيف الخطيب أن ما يؤلمها في حالة رغد أن قرار حرمانها من التعليم لم يكن بسبب ضعفها الدراسي، بل على العكس، إذ تصفها بأنها من الطالبات المتفوقات والطموحات، وتقول: “كانت شاطرة جدًا، وسريعة التعلّم، وحتى في استخدام الهاتف والتقنيات كانت متميزة عن كثير من أقرانها. اليوم هي جالسة في البيت، رغم أن عندها قدرة وطموح يكملوا تعليمها.”

حين ينتصر الفقر على التعليم

ترى المعلمة حنان الخطيب، التي تعمل في تعليم أطفال مخيم حيفا الكرمل، أن الفقر أصبح العامل الأكثر تأثيرًا في استمرار الفتيات بالتعليم، مشيرة إلى أن كثيرًا من الأسر تضطر إلى إخراج بناتها من المدرسة بسبب تدهور أوضاعها المعيشية.

وتقول إن بعض الفتيات يتغيبن عن المدرسة خلال مواسم العمل الزراعي لمساعدة أسرهن في جني المحاصيل، بينما تنقطع أخريات عن الدراسة نهائيًا لتتولى الواحدة منهن رعاية إخوتها الصغار، حتى تتمكن الأم من الخروج إلى العمل.

وتضيف: “لاحظت كثيرًا من التراجع الدراسي بسبب عمل الأمهات. أحيانًا لا تذهب البنت إلى المدرسة لأنها تبقى في البيت لتأخذ مكان أمها، وأحيانًا تتغيب أيامًا كاملة لأنها تساعد أهلها في مواسم البطاطا أو الزيتون. وعندما تغيب هذه المدة، تنقطع عن الدروس ويصبح من الصعب عليها اللحاق بزميلاتها.”

وتقول: “بعض الأهالي يقولون: ماذا ستستفيد من الدراسة؟ أو يقولون إنها كبرت، ومن الأفضل أن تبقى في البيت أو تساعد الأسرة. هذه النظرة تتكرر كثيرًا، خاصة مع استمرار الفقر.”

ولا يقتصر أثر الانقطاع عن المدرسة على الجانب التعليمي، بحسب الخطيب، بل يمتد إلى الجانب النفسي أيضًا، إذ تلاحظ أن كثيرًا من الفتيات يتحملن مسؤوليات أكبر من أعمارهن، وهو ما ينعكس على سلوكهن داخل الصف.

وتوضح: “أشعر أن بعض الطالبات أكبر من عمرهن الحقيقي. يتحدثن بعقلية امرأة مسؤولة عن أسرة، وليس كطفلة يفترض أن تعيش طفولتها. حتى طموحاتهن أصبحت محدودة؛ كثيرات يقلن إنهن سيكتفين بالمرحلة الابتدائية ثم يتفرغن لرعاية إخوتهن أو للعمل.”

وتختم حديثها بالقول: “إذا تحسن الوضع المعيشي للأسر، سيتحسن التعليم تلقائيًا. الفقر هو أصل المشكلة، ومن دونه يمكن أن تستعيد كثير من الفتيات حقهن في التعليم وبناء مستقبلهن.”

ولا تقتصر هذه القصص على حالات فردية، فبحسب مدير المخيم أحمد علي الرماح، يضم المخيم نحو 350 أسرة، فيما تُقدَّر أعداد الفتيات اللواتي يعملن في الأعمال الزراعية الموسمية بنحو 16 فتاة، بينما يبلغ عدد الفتيات المتسربات من التعليم قرابة 50 طالبة. ويقتصر عمل معظمهن على مواسم قلع البطاطا وجني محصولي الباذنجان والفليفلة، مقابل أجر يومي يبلغ في المتوسط نحو 100 ليرة تركية.

التعليم بين التحديات والاستجابة الحكومية

من جهته، يقول مدير دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل في سرمدا الشمالية، محمد باكير، إن مخيم حيفا الكرمل يضم عددًا من الخدمات الأساسية، من بينها محطة لتزويد المياه، وشبكة للصرف الصحي، إضافة إلى أعمال ترحيل النفايات التي تُنفذ بجهود تعاونية بين الأهالي.

ويشير إلى أن أقرب مدرسة ومستوصف يقعان في مخيمي الزهور والعيناء المجاورين، على مسافة تقل عن كيلومتر واحد من المخيم، إلا أن الوصول إليهما يبقى صعبًا بالنسبة لبعض الأسر بسبب ظروف النزوح وطبيعة المنطقة الجبلية وعدم توفر وسائل نقل منتظمة.

ويؤكد باكير أن الوزارة تتابع مؤشرات التسرب والانقطاع عن الدراسة من خلال مديريات التربية والتعليم، مشيرًا إلى أن أبرز أسباب التسرب تتمثل في الظروف الاقتصادية، وعدم الاستقرار، وبعد المؤسسات التعليمية في بعض المناطق، إلى جانب عوامل اجتماعية أخرى.

ويضيف أن الوزارة تعمل على الحد من الظاهرة عبر المتابعة الميدانية والإرشاد التربوي والنفسي، والتواصل مع الأسر، والتنسيق مع الشركاء المحليين والدوليين لإعادة دمج الطلبة المنقطعين في العملية التعليمية.

وحول عمل الفتيات في الزراعة، يوضح باكير أن الوزارة تنظر بقلق إلى أي ظروف تدفع الأطفال إلى سوق العمل على حساب تعليمهم، معتبرًا أن عمالة الأطفال تمثل تحديًا يرتبط بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ويتطلب تعاون المؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية للحد منها، من خلال دعم الأسر وتعزيز فرص بقاء الأطفال في التعليم.

طفولة تحت الضغط

يقول فادي النايف، وهو خريج كلية التربية ويعمل في مجال الدعم النفسي منذ أكثر من ثماني سنوات، إن عمل الأطفال في سن مبكرة يحرمهم من أهم عناصر الطفولة، وعلى رأسها اللعب والتعليم وبناء العلاقات الاجتماعية في بيئة آمنة، إضافة إلى حرمانهم من فرص اكتشاف الذات وتطوير القدرات في سياق طبيعي.

ويضيف أن تحمّل مسؤوليات تفوق قدرة الطفل يؤدي غالبًا إلى شعور مستمر بالضغط والقلق والإرهاق النفسي، وقد يدفع الأطفال إلى كبت مشاعرهم أو تجاهل احتياجاتهم الأساسية، ما ينعكس لاحقًا على ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على تنظيم مشاعرهم.

وعن الفتيات تحديدًا، يشير النايف إلى أنهن قد يواجهن تحديات إضافية مقارنة بالفتيان، بسبب الأدوار الاجتماعية والضغوط المزدوجة، إضافة إلى احتمالات أعلى للتعرض للاستغلال أو العنف في بعض بيئات العمل، الأمر الذي قد يزيد من مشاعر الخوف ويؤثر على تقدير الذات ويقود إلى العزلة الاجتماعية.

وفي حالة الفتيات في مخيم حيفا الكرمل، لا ترتبط الضغوط النفسية بحدث واحد، بل بتراكم سنوات من النزوح، وفقدان الاستقرار، والانقطاع عن التعليم، وغياب مصادر الدخل الكافية. فهذه الظروف تفرض على كثير من الفتيات تحمل مسؤوليات أكبر من أعمارهن، وتدفعهن إلى تأجيل احتياجاتهن الشخصية وطموحاتهن أمام الحاجة اليومية لتأمين أساسيات الحياة.

وتظهر قصة مها مثالًا على ما يمكن وصفه بـ”النضج القسري”، إذ اضطرت إلى ترك التعليم والعمل لإعالة أسرتها، ثم تحمل مسؤولية طفلها بعد الطلاق. وفي المقابل، تعكس قصة أم مهند الصراع الذي تعيشه بعض الأمهات بين الرغبة في حماية بناتهن من قسوة العمل، وبين الضغوط الاقتصادية التي تدفعهن إلى خيارات لا يرغبن بها.

ورغم ذلك، يرى النايف أن هذه القصص لا تعكس المعاناة فقط، بل تظهر أيضًا محاولات للتكيف والصمود في مواجهة ظروف صعبة، فاستمرار الشخصيات في رعاية أسرها والبحث عن وسائل لتأمين احتياجاتها يعكس قدرة على مواجهة الواقع، حتى مع الحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي مستمر.

بينما تحلم مها بدخلٍ ثابت يعفيها من العودة إلى الحقول، لا تزال عشرات الفتيات في مخيم حيفا الكرمل يواجهن الخيار ذاته بين العمل أو الدراسة، في واقع تفرضه الحاجة قبل أي اعتبار آخر.

ومع استمرار الفقر وضعف فرص التعليم والعمل، يبقى مستقبل كثير من الفتيات مرتبطًا بظروف لم يخترنها، فيما تغادر بعضهن مع كل صباح باتجاه الحقول بدلًا من الصفوف الدراسية.