في ظل انقطاع شبكة الإنترنت الأرضية داخل مخيم خان الشيح للاجئين الفلسطينيين، واستمرار الضغوط المعيشية التي فرضتها سنوات الحرب وتداعياتها الاقتصادية، يخوض مئات من طلاب الشهادتين الثانوية والإعدادية امتحاناتهم هذا العام ضمن ظروف تعليمية معقدة، تجمع بين ضعف البنية التحتية وارتفاع التكاليف وغياب بيئة دراسية مستقرة.
ورغم هذه التحديات، يحاول الطلاب استكمال استحقاقهم الدراسي عبر وسائل محدودة، بينها الاعتماد على الدراسة الذاتية أو مراكز تعليمية صغيرة غير رسمية، في وقت ترتفع فيه كلفة الدروس الخصوصية والمعاهد الخاصة التي أصبحت خارج قدرة كثير من العائلات.
تحديات متراكمة: من انقطاع الإنترنت إلى غياب بيئة دراسية مناسبة
يُعد انقطاع الإنترنت الأرضي أحد أبرز التحديات التي واجهت الطلاب خلال فترة التحضير للامتحانات، إذ حدّ من قدرتهم على الوصول إلى الشروحات الإلكترونية والمواد التعليمية والمنصات الرقمية التي باتت جزءاً أساسياً من العملية الدراسية.
الطالب كنان صالح، أحد المتقدمين لامتحان الشهادة الإعدادية، يقول إن ظروف الدراسة هذا العام “أفضل نسبياً من الأعوام السابقة” من حيث توفر الكهرباء وقرب المراكز الامتحانية، لكنه يقرّ بأن انقطاع الإنترنت شكّل عائقاً أمام الوصول إلى بعض المواد التكميلية، دون أن يمنع استكمال التحضير بشكل كامل.
أما الطالبة جنى عدوان من الفرع العلمي، فتشير إلى أن الضغط النفسي هذا العام كان مرتفعاً، خصوصاً مع انقطاع الإنترنت في الأيام الأخيرة قبل الامتحانات، ما اضطر العديد من الطلاب إلى شراء باقات مدفوعة بكلفة مرتفعة.
وتضيف أن غياب قاعات دراسة مهيأة داخل المخيم، إلى جانب الضجيج والاكتظاظ السكني، أثّر بشكل مباشر على القدرة على التركيز، في وقت تتباعد فيه المراكز الامتحانية أحياناً عن أماكن السكن، ما يضيف عبئاً مادياً ونفسياً إضافياً على العائلات. وتطالب بتوفير قاعات دراسية آمنة خلال فترات الامتحانات، وإعادة تفعيل مبادرات نقل الطلاب إلى المراكز الامتحانية.
مبادرات محلية وتعليم هشّ يستند إلى الجهود الفردية
في ظل محدودية الخيارات التعليمية، برزت مبادرات فردية لتعويض جزء من النقص في الخدمات التعليمية الرسمية. أحد المدرسين من أبناء المخيم يوضح أنه يستقبل طلاباً في منزله ضمن جلسات تعليمية مصغّرة مقابل رسوم رمزية، في محاولة للتخفيف من العبء المالي عن العائلات التي لم تعد قادرة على تحمل تكاليف المعاهد الخاصة.
ويعكس هذا النموذج واقعاً تعليمياً غير رسمي بات يملأ فراغاً متزايداً في البنية التعليمية داخل المخيم، حيث تعتمد العملية التعليمية بدرجة كبيرة على المبادرات الشخصية بدلاً من منظومة دعم مستقرة.
كما تمتد التحديات إلى المراحل الدراسية الأخرى، إذ يشير موظف في الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين إلى أن مدرسة بيريا الابتدائية في المخيم تعرضت للتدمير عام 2016، ما أدى إلى نقل طلابها إلى مدارس مجاورة، وهو ما تسبب باكتظاظ كبير داخل الصفوف.

هذا الاكتظاظ دفع إلى اعتماد نظام الفترتين الصباحية والمسائية، الأمر الذي خلق بدوره تحديات إضافية، خاصة لطلاب الفترة المسائية الذين يعودون إلى منازلهم في ساعات متأخرة، في ظل غياب وسائل نقل منظمة واضطرار بعض الأهالي إلى تأمين مواصلات خاصة على نفقتهم.
مبادرات سابقة متراجعة وأرقام تعكس واقعاً تعليمياً ثابتاً وهشاً
يشير القائمون على مبادرات تعليمية سابقة إلى أن بعض المؤسسات الأهلية والخيرية كانت تلعب دوراً مهماً في دعم الطلاب، خصوصاً عبر برامج نقل مجانية إلى المراكز الامتحانية خارج المخيم، تضمنت آليات تنظيم دقيقة لتوزيع الطلاب على باصات مرقمة بحسب المراكز، ما ساهم في تخفيف الضغط النفسي والمالي خلال سنوات سابقة.
لكن هذه المبادرات تراجعت خلال السنوات الأخيرة، ما أعاد جزءاً كبيراً من الأعباء إلى العائلات والطلاب، في ظل غياب بدائل مؤسسية مماثلة.
وبحسب تقديرات أحد المدرسين في المخيم، يبلغ عدد المتقدمين للامتحانات هذا العام نحو 350 طالباً وطالبة في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، وهو رقم قريب من السنوات السابقة، ما يعكس استقراراً شكلياً في الأعداد، مقابل هشاشة واضحة في الظروف التعليمية المحيطة.
ورغم استمرار العملية التعليمية، إلا أنها تبدو معتمدة بدرجة كبيرة على الجهود الفردية والمبادرات المحلية، أكثر من اعتمادها على بنية تعليمية مستقرة قادرة على ضمان استمرارية وجودة التعليم.



