«كنّا وحدنا، وما زلنا»، تقولها سيدة فلسطينية بلا مبالاة، وهي تتحدث عن اعتقال زوجها واثنين من أبنائها في مخيم اليرموك عام 2012. تعرّفت إلى أصغرهما لاحقاً في صور قيصر، فيما بقي مصير الآخرين مجهولاً. وعلى حد تعبيرها: «العدالة إلهم، للسوريين. إحنا فلسطينيين، مش من حقنا نشتكي ولا ناخد تعويض ولا حتى يكون عنا شاهدة قبر».
لا يبدو شعورها استثناءً، بل يعكس حالة يعيشها كثير من الفلسطينيين السوريين، الذين يشعرون بأنهم خارج أطر التمثيل والاعتراف الرسمي، رغم كونهم ضحايا حرب، شأنهم شأن غيرهم من السوريين.
لكن بين هذا الشعور بالغياب وما يقوله مختصون في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وهي هيئة وطنية مستقلة أُحدثت بموجب المرسوم رقم 20 لعام 2025، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالفلسطينيون، من حيث المبدأ القانوني، ليسوا مستبعدين من مسار العدالة الانتقالية، لكن السؤال يبقى: إلى أي مدى يستطيعون الوصول إليه والمشاركة فيه فعلياً؟
حجم المأساة بالأرقام
من بين التقارير التي وثّقت حجم الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين السوريين خلال سنوات الحرب، يبرز بيان الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية تأسست في حزيران 2011. وقد اعتمدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان على بيانات الشبكة مصدراً أساسياً في تحليلاتها المتعلقة بحصيلة الضحايا في سوريا.
ووفقاً لبيان الشبكة الصادر في تشرين الأول 2022، قتل نظام بشار الأسد 3207 فلسطينياً منذ آذار 2011 وحتى تشرين الأول 2022، بينهم 352 طفلاً و312 سيدة، فيما توفي 497 شخصاً نتيجة التعذيب. ووثّقت الشبكة، خلال الفترة نفسها، استمرار احتجاز أو إخفاء ما لا يقل عن 2721 فلسطينياً قسرياً لدى قوات النظام السوري، بينهم 28 سيدة و21 طفلاً.
وفي السياق ذاته، وثّقت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، وهي منظمة حقوقية وإعلامية متخصصة في رصد أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا منذ عام 2011، في تقريرها الإحصائي الشامل «الحصاد الموجع»، الصادر في آب 2025، الانتهاكات التي وقعت منذ اندلاع الثورة عام 2011 وحتى نهاية عام 2024.
وبحسب التقرير، قُتل 4965 فلسطينياً منذ اندلاع الثورة، إضافة إلى وجود مئات الحالات المجهولة المصير، خصوصاً بين المختفين قسرياً في سجون النظام السابق أو ضمن صفوف الفصائل المسلحة. وبلغ عدد المعتقلين الفلسطينيين الذين وثّقهم التقرير 7237، شكّل الذكور منهم نحو 96%.
يعكس التباين بين هذه الأرقام صعوبة التوثيق واختلاف الفترات الزمنية التي تغطيها التقارير، لكنه يضع سؤال العدالة أمام حجم واضح من الانتهاكات: إذا كان آلاف الفلسطينيين، ومنهم أفراد عائلة السيدة التي تحدثنا إليها، قد تعرضوا للقتل والاعتقال والاختفاء والتعذيب، فأين يجد هؤلاء الضحايا مكانهم في مسار العدالة الانتقالية؟
إشكالية التمثيل
يحاول المحامي رديف مصطفى، عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ومدير إدارة المساءلة والمحاسبة فيها، الإجابة عن هذا السؤال. ويرى أن العدالة الانتقالية في سوريا «لا تقوم أصلاً على تمثيل المكونات وفق حصص أو مقاعد سياسية، وإنما على ضمان مشاركة الضحايا وأصحاب المصلحة، بصرف النظر عن انتمائهم أو أصلهم أو وضعهم القانوني، في المسارات التي تمس حقوقهم».
وبناءً على ذلك، يشدد مصطفى على أن «الفلسطينيين السوريين، بوصفهم جزءاً من المجتمع الذي تعرض لانتهاكات خلال سنوات الثورة، لا ينبغي التعامل معهم كحالة منفصلة أو استثنائية، بل كضحايا وأصحاب حقوق متى انطبقت عليهم المعايير القانونية للضحية والانتهاك».
ولا يحصر مصطفى التمثيل بشخص أو جهة واحدة، بل يراه نابعاً من مشاركة الضحايا وذويهم وممثليهم القانونيين والمجتمعيين، ومنظمات المجتمع المدني والجهات التي تمتلك معرفة موثقة بتجربتهم، ضمن آليات تشاور ومشاركة تتيح للمتضررين إيصال إفاداتهم واحتياجاتهم وأولوياتهم إلى المؤسسات المعنية.
لكن إذا كانت العدالة الانتقالية لا تقوم على تمثيل المكونات وفق الحصص والمقاعد السياسية، فكيف نضمن ألا يُستبعد الفلسطينيون السوريون عملياً من هذا المسار؟
في إجابته عن السؤال، يؤكد المحامي كمال محمد أنه «لا يوجد تمثيل رسمي وواضح للفلسطينيين في سوريا ضمن الهياكل والأطر السياسية أو القانونية الخاصة بمسار العدالة الانتقالية».
لا يوجد تمثيل رسمي وواضح للفلسطينيين في سوريا ضمن الهياكل والأطر السياسية أو القانونية الخاصة بمسار العدالة الانتقالية.
المحامي كمال محمد
وفي ظل غياب هذا التمثيل الرسمي، يرى محمد أن «منظمات حقوق الإنسان والمبادرات الأهلية الفلسطينية تؤدي جزءاً من هذا الدور على أرض الواقع، من خلال توثيق الجرائم والانتهاكات والمطالبة بالعدالة». ويذكر من أبرز هذه الجهات مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، ومركز العودة الفلسطيني، الذي ينشط في جنيف لمناصرة حقوق اللاجئين الفلسطينيين وإشراكهم في ملفات العدالة الانتقالية والمفقودين، إضافة إلى رابطة المعتقلين والمفقودين الفلسطينيين، ورابطة الحقوقيين الفلسطينيين، وهي منظمة قيد الإشهار.
ويشير محمد كذلك إلى منظمات حقوقية سورية ودولية تتناول قضايا الفلسطينيين السوريين أسوة بغيرهم من السوريين، ومنها المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، والشبكة السورية لحقوق الإنسان، والمركز الدولي للعدالة الانتقالية.
أما الفصائل والكيانات السياسية التقليدية التي كانت فاعلة في الواقع الفلسطيني سابقاً، فيرى محمد أنها «مارست تمثيلاً شكلياً وغير فاعل في وقت كان يجب عليها أن تقوم بالدور الأكبر في مسألة العدالة الانتقالية لفلسطينيي سوريا».
وهنا تظهر الفجوة: فبينما لا يستبعد الإطار القانوني الفلسطينيين السوريين من حيث المبدأ، يظل تمثيلهم المؤسسي الواضح غائباً على مستوى الممارسة.
ضمانات فعلية
لا يكفي النص على عدم التمييز بين الضحايا، بحسب المحاميين، لضمان شمول الفلسطينيين السوريين في مسار العدالة الانتقالية؛ فالمساواة القانونية تحتاج إلى إجراءات تتيح للضحايا الوصول إلى هذا المسار فعلياً.
يرى مصطفى أن الضمان الأول يكمن في «أن تكون معايير اعتبار الشخص ضحية مرتبطة بطبيعة الانتهاك والضرر الواقع عليه، لا بأصله أو جنسيته أو وضعه القانوني».
ويضيف أن الضمان الثاني هو «كفالة حق الفلسطينيين السوريين في الوصول إلى آليات التوثيق وتقديم الإفادات والأدلة والادعاءات، بما في ذلك لمن فقدوا وثائقهم أو أصبحوا خارج سوريا». ويشدد على ضرورة «أن تتضمن الآليات المعتمدة إجراءات إثبات مرنة ومدروسة عندما تكون الوثائق الرسمية قد فُقدت أو دُمرت نتيجة النزاع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على معايير التحقق وسلامة الأدلة».
وبهذا المعنى، لا يكمن الضمان الحقيقي للفلسطينيين السوريين، وفق مصطفى، في إنشاء مسار منفصل لهم، بل في التأكد من ألا يؤدي أي معيار قانوني أو إجراء عملي إلى استبعادهم من المسار العام متى انطبقت عليهم شروط الضحية والانتهاك.
أما محمد، فيرى أن الضمان الأساسي لعدم استثناء اللاجئين الفلسطينيين في سوريا من مسار العدالة الانتقالية هو اعتراف أصحاب القرار بوضوح بالضحايا الفلسطينيين الذين قضوا أو تضرروا خلال الثورة، أسوة بالضحايا السوريين.
وانطلاقاً من ذلك، يحدد محمد مجموعة من الضمانات الأساسية، بينها «توحيد المركز القانوني للاجئ الفلسطيني بغض النظر عن سنة لجوئه، وضمان مشاركته الفعلية في المؤسسات المعنية بالمغيبين قسرياً، وفي مقدمتها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية نفسها». كما يدعو إلى تفعيل دور منظمات التوثيق الفلسطينية في تقديم أدلتها إلى القضاء، وشمول الضحايا الفلسطينيين ببرامج التعويضات المادية والرعاية الصحية والنفسية، دون ربطها بالحقوق السياسية للمواطن.
ويضيف إلى ذلك ضرورة فتح أرشيف الأجهزة الأمنية السابقة لكشف مصير المفقودين، ومعالجة ملف الوثائق الرسمية المفقودة تشريعياً، وإصلاح المؤسسات الأمنية، وحماية الفلسطينيين من الترحيل التعسفي.
تجاذبات وتناقضات داخلية
لا يرتبط ضمان التمثيل للسيدة التي لا تزال تنتظر أن يكون لأبنائها، يوماً ما، شاهد قبر، وللآلاف غيرها، بموقف المؤسسات السورية وحده. يقرّ محمد بأن الواقع الفلسطيني يشهد تجاذبات وتناقضات داخلية بين مكوناته الفصائلية والعقائدية، إلى جانب غياب العمل المؤسساتي الرسمي الموحد، وهو ما يعطل الجهود المبذولة ويعرقل حصول الضحايا على حقوقهم.
وبحسب محمد، «سيبقى هذا الوضع قائماً إلى أن يحصل اتفاق بين كافة المكونات السياسية والفكرية الفلسطينية».
لا تبدو قضية الفلسطينيين السوريين في مسار العدالة الانتقالية، إذاً، مسألة اعتراف قانوني فحسب. فبينما تؤكد القراءة القانونية، كما يعرضها مصطفى، أن الفلسطيني لا يُستبعد من صفة الضحية بسبب أصله أو وضعه القانوني، تكشف قراءة محمد عن مشكلة تتعلق بالتمثيل المؤسسي والقدرة على تحويل هذا الاعتراف إلى مشاركة فعلية وحقوق يمكن الوصول إليها.
وبين المبدأ والممارسة، تبقى المسافة قائمة.
اقرأ أيضاً: ضحايا بلا ممثلين.. من يحمل صوت الفلسطينيين السوريين في مسار العدالة الانتقالية؟ · فلسطينيو سوريا والعدالة الانتقالية: هل يكفي الاعتراف بالضحايا دون تمثيلهم؟ · العدالة الانتقالية لفلسطينيّي سوريا: الاعتقال والاختفاء والحصار ملفات تختبر الثقة



