تخطّي إلى المحتوى
Miftah Media مِفتاح
كوفية

فلسطينيو سوريا والعدالة الانتقالية: هل يكفي الاعتراف بالضحايا دون تمثيلهم؟

يرى حقوقيون فلسطينيون أن أحد تحديات العدالة الانتقالية السورية يتمثل في ضمان الاعتراف العلني بجميع فئات الضحايا، ومن بينهم فلسطينيو سوريا، ليس فقط بوصفهم جزءاً من الخطاب العام حول الانتهاكات، بل باعتبارهم مجموعة تعرضت لانتهاكات لها…

ملصق تقرير ميفتاح عن فلسطينيي سوريا والعدالة الانتقالية ومطالب تمثيل الضحايا الفلسطينيين

مع انطلاق مسار العدالة الانتقالية في سوريا، يبرز سؤال حضور مختلف فئات الضحايا داخل هذا المسار، ومن بينهم فلسطينيو سوريا الذين عاشوا خلال سنوات حكم نظام الأسد تجربة الاعتقال والقتل والتهجير وفقدان الآلاف من أبنائهم.

ورغم تأكيد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن ولايتها تشمل جميع من تعرضوا لانتهاكات على الأراضي السورية، بغض النظر عن الجنسية، فإن حقوقيين وناشطين فلسطينيين يرون أن الاعتراف بالضحايا يحتاج إلى جانب آخر يتمثل في ضمان مشاركتهم وتمثيلهم داخل مسارات العدالة الانتقالية.

فمنذ اندلاع الثورة السورية، تعرضت المخيمات الفلسطينية، وفي مقدمتها مخيم اليرموك في دمشق، لانتهاكات واسعة، شملت القصف والحصار والنزوح، ما جعل ملف الضحايا الفلسطينيين جزءاً من النقاش الأوسع حول الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر في سوريا الجديدة.

التشاركية في مسار العدالة الانتقالية

حدّد المرسوم الرئاسي 20 لعام 2025 تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بهدف كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق، ومساءلة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصلحة الوطنية.

وتؤكد الهيئة أن ولايتها تشمل جميع من تعرضوا لانتهاكات على الأراضي السورية، بغض النظر عن الجنسية، وهو ما أوضحه عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أحمد حزرومي خلال ورشة “سوريا وفلسطين: من التاريخ المشترك إلى أسئلة الدولة الجديدة”، التي أقامها المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة في دمشق، حين أشار إلى أن المفقودين الفلسطينيين يعاملون ضمن مسار العدالة الانتقالية كما المفقودين السوريين.

لكن ناشطين وحقوقيين فلسطينيين يرون أن الاعتراف بالشمول لا يكفي وحده، وأن المطلوب هو وجود آليات واضحة تضمن مشاركة الضحايا وممثليهم في صياغة وتنفيذ مسارات العدالة الانتقالية.

وبحسب بحث أعدته مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا بعنوان “دم واحد… حلمان: فلسطينيون في قلب الثورة السورية”، فقد وثقت المجموعة مقتل 4965 لاجئاً فلسطينياً، بينهم 287 طفلاً دون سن 18 عاماً، إضافة إلى اعتقال 7237 لاجئاً، فيما بلغ عدد المختفين قسرياً 6675 شخصاً.

وترى جهات فلسطينية حقوقية أن هذه الأرقام تجعل من قضية تمثيل الفلسطينيين في مسار العدالة الانتقالية تحدياً أساسياً.

ويقول المحامي أيمن أبو هاشم إن لقاءات تشاورية عقدت بين الهيئة ومنظمات فلسطينية ناشطة في ملفات المفقودين وجبر الضرر ومحاسبة المنتهكين، لكنه يرى أن هذه اللقاءات لم تتحول حتى الآن إلى آليات تشاركية واضحة.

وأضاف أن المؤسسات الفلسطينية التي حضرت اجتماعاً مع رئاسة الهيئة، ومن بينها حملة معتقلي فلسطيني سوريا ورابطة الحقوقيين الفلسطينيين في سوريا، طالبت بتشكيل مجلس تشاوري موسع يضم منظمات الضحايا والخبراء القانونيين، بما يضمن مشاركة فعلية في مسارات العدالة الانتقالية.

في المقابل، يرى المحامي محمد السعدي أن الحديث عن غياب التشاركية يحتاج إلى تمييز بين الوقائع المؤكدة والتحليلات، مشيراً إلى أن تجارب العدالة الانتقالية في مراحل الانتقال السياسي غالباً ما تواجه تحديات مرتبطة بسرعة تأسيس المؤسسات، وغياب آليات التشاور الواضحة، واختلاف الأولويات بين الجهات المختلفة، إضافة إلى تعقيدات المرحلة السياسية والأمنية.

الضحايا الفلسطينيون والاعتراف في الذاكرة الجديدة

يرى حقوقيون فلسطينيون أن أحد تحديات العدالة الانتقالية السورية يتمثل في ضمان الاعتراف العلني بجميع فئات الضحايا، ومن بينهم فلسطينيو سوريا، ليس فقط بوصفهم جزءاً من الخطاب العام حول الانتهاكات، بل باعتبارهم مجموعة تعرضت لانتهاكات لها خصوصيتها خلال سنوات النزاع.

وبحسب مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، فقد وثقت مقتل 1305 معتقلين فلسطينيين في سجون النظام السابق من أصل 7237 معتقلاً، كما وثقت إعدام 16 لاجئاً فلسطينياً في مجزرة التضامن، بينهم وسيم عمر صيام، وسعيد أحمد خطاب، ولؤي الكبرا.

ويشير أيمن أبو هاشم إلى أن هيئة العدالة الانتقالية ما زالت بحاجة، من وجهة نظره، إلى رؤية أوضح في ما يتعلق بتمثيل الفلسطينيين السوريين داخل الهيئة ولجانها وبرامجها، معتبراً أن وجود أفراد فلسطينيين ضمن مؤسسات الهيئة لا يغني عن إشراك المؤسسات والجهات التي تمثل الضحايا والمجتمع المدني.

من جهته، يرى محمد السعدي أن أحد التحديات قد يكون مرتبطاً باستخدام خطاب عام يركز على “الضحايا” أو “السوريين المتضررين” دون إبراز خصوصية بعض الفئات، مشيراً إلى أن الاعتراف بمختلف مجموعات الضحايا يساعد على توثيق ما حدث بشكل أكثر شمولاً، وتعزيز شعور الضحايا بالاعتراف والإنصاف..

قانون العدالة الانتقالية ومسار المحاسبة

يأتي النقاش حول مشاركة الفلسطينيين في العدالة الانتقالية بالتزامن مع استمرار الجدل حول الإطار القانوني الناظم لهذه العملية، في ظل بدء محاكمات علنية لشخصيات من النظام السابق، من بينها مسؤولون أمنيون وسياسيون.

ويشير حقوقيون إلى أن غياب قانون شامل للعدالة الانتقالية يثير أسئلة حول الأساس القانوني لبعض المسارات، فيما يرى آخرون أن انتظار اكتمال الإطار القانوني قد يؤدي إلى تأخير المحاسبة، وأنه يمكن العمل ضمن القوانين النافذة بالتوازي مع تطوير منظومة العدالة الانتقالية.

وفي السياق الفلسطيني، يطرح ملف العدالة الانتقالية أسئلة حول مسؤولية الأفراد والجهات التي ارتبطت بالنظام السابق وشاركت في الانتهاكات، ومدى إمكانية إخضاعها للمساءلة القانونية وفق معايير واضحة وإجراءات قضائية.

ويقول أيمن أبو هاشم إن مشروع قانون العدالة الانتقالية، بحسب اطلاعه عليه، يتضمن معالجة قانونية للانتهاكات والجرائم المرتكبة منذ عام 1970، بما فيها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، معتبراً أن إقرار القانون سيكون خطوة أساسية لتنظيم مسارات العدالة الانتقالية.

ويرى محمد السعدي أن المحاكمات التي بدأت قبل اكتمال الإطار التشريعي والمؤسساتي تفتح نقاشاً قانونياً حول العلاقة بين سرعة المحاسبة وضرورة وجود منظومة قانونية واضحة.

في النهاية، لا تختبر العدالة الانتقالية السورية قدرتها على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات فقط، بل تختبر أيضاً قدرتها على بناء ذاكرة مشتركة تعترف بكل الضحايا، وتضمن أن تكون أصواتهم ومطالبهم جزءاً من مسار العدالة، بما في ذلك ضحايا فلسطينيي سوريا الذين عاشوا تجربة القمع والنزوح والفقد داخل البلاد.