منذ اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011، وما تبعها من عمليات عسكرية وحملات اعتقال تعسفية وحالات اختفاء قسري، وجدت المرأة الفلسطينية السورية نفسها أمام مأساة مركبة. فهي لا تعيش فقط إرث اللجوء الممتد منذ النكبة، بل تواجه أيضاً آثار حرب جديدة أعادت إنتاج الفقد والانتظار بأشكال أكثر قسوة.
ولا تبدو هذه الحالات فردية أو معزولة، بل جزءاً من ظاهرة واسعة. ففي تقريرها السنوي الرابع عشر حول الاختفاء القسري، قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن أكثر من 181 ألف شخص ما يزالون معتقلين أو مختفين قسراً في سوريا منذ عام 2011. ضمن هذا الواقع، تعيش آلاف الأمهات، وبينهن فلسطينيات سوريات.
تبدأ الحكاية غالباً بلحظة عادية؛ يخرج الابن من المنزل، ثم ينقطع أثره تدريجياً حتى تختفي أخباره تماماً. وخلال سنوات الغياب، تجهد الأمهات جسدياً ونفسياً ومادياً، ولا يخفت سؤالهن عن مفقوديهن، إذ يمتد هذا السؤال إلى كل مكان: في الشوارع التي قد يكون مرّ بها الابن، وفي الفروع الأمنية، وفي السجون المركزية، وفي المشافي.
وفي كثير من الأحيان، واجهت عائلات المختفين سماسرة يقدمون أنفسهم على أنهم وسطاء لدى الأجهزة الأمنية، ويعدون النساء اللواتي يبحثن عن إمكانية تأمين معلومات مفيدة مقابل مبالغ مالية كبيرة، لكن من دون جدوى.
تروي “أم خالد”، من ريف دمشق، سلسلة خسارات متلاحقة عاشتها العائلة. فبعد مقتل ابنها خالد، اعتُقل ابنها الأصغر محمد عام 2014 بسبب اتهام شقيقه بالانتماء إلى الجيش الحر.
تقول إنها تمكنت من إخراجه بعد دفع أكثر من ثلاثة آلاف دولار جمعتها من بيع مصاغها والدكان الذي كان مصدر دخل العائلة الوحيد. لكن بعد أقل من عام، اعتُقل محمد مجدداً على حاجز عسكري أثناء حملة بحث عن مطلوبين للخدمة العسكرية، ومنذ ذلك الوقت انقطعت أخباره بالكامل.
لا يتوقف أثر الاختفاء عند لحظة الاعتقال، بل يبدأ معها فصل طويل من البحث. تقول عائلات المفقودين إن سنوات الغياب تستنزفهم جسدياً ونفسياً ومادياً، فيما يبقى السؤال عن الأبناء حاضراً في كل مكان.
ولا يقتصر هذا البحث على مكان واحد، بل يمتد إلى كل احتمال: الشوارع، الفروع الأمنية، السجون، المشافي، وكل من قد يملك معلومة.
وبحسب تقرير صادر عن وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، أصبحت النساء يعِلن نحو ربع أسر اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، في ظل الاعتقال أو الاختفاء أو فقدان المعيل الأساسي.
وفي كثير من هذه العائلات، يتحول غياب الابن أو الأب إلى عبء اقتصادي واجتماعي مضاعف، إذ تجد الأمهات أنفسهن أمام مسؤوليات معيشية ثقيلة إلى جانب استمرار البحث عن المفقودين، في معادلة لا تنتهي بانتهاء السنوات.
إن شأن المفقود الفلسطيني في سوريا يثير عدة أسئلة قانونية وإجرائية، من قبيل: كيف يمكن توصيف الوضع القانوني للمفقودين الفلسطينيين في ملاحقة الجناة ومحاسبتهم ومتابعة الحالات الأخرى؟ وهل يعد حالة خاصة أم مشمولاً بما ينطبق على السوريين؟ وماذا عن تمثيلهم داخل الجهات المعنية بالبحث؟
“مفتاح ميديا” قابلت واصل حميدة من “عائلات خيمة الحقيقة في مخيم اليرموك”، وحاورته في عدة محاور تتعلق بهذا الملف، وقد أوضح قائلاً: “لا يوجد فرق قانوني بين المفقود السوري والمفقود الفلسطيني، وبالمقابل حقوق عائلات الضحايا واحدة”.
ويضيف: “أيضاً، الهيئة الوطنية للمفقودين كانت قد وضعت مسودة قانون في هذا الشأن، ولم يتضمن أي تفريق بين الجنسيتين، ويمتد ذلك إلى من فُقد على طريق الهجرة واللجوء”.
أما بالنسبة لتمثيل المفقودين الفلسطينيين السوريين، فبحسب واصل، تشمل الولاية الإنسانية لهيئة المفقودين جميع المفقودين لدى مختلف الأطراف، بما في ذلك الفلسطيني السوري، وهي الجهة الرسمية لذلك. ومع ذلك، يرى أن تمثيل مختلف مكونات المجتمع السوري لم يراعَ بشكل كافٍ داخل كوادر الهيئة، رغم التوجه إلى معالجته مستقبلاً.
وعن سؤالنا حول المرجعية الناظمة للمفقودين الفلسطينيين في سوريا، أي إلى من تلجأ العائلات، يجيب واصل: “ينطبق هذا على السوري والفلسطيني وكل عائلة عانت من الفقد. اليوم هناك جهات متعددة، وطنية وأممية ومنظمات مجتمع مدني، تقول إنها تمتلك جزءاً من الحقيقة والوثائق المتعلقة بكشف مصير عدد من المفقودين. وهذا جزء من نضال عائلات الضحايا، إذ إن أحد مطالبها هو توحيد الجهود الوطنية والدولية لإيجاد منصة واحدة تُتابع من خلالها هذه الملفات، بحيث لا تتشتت الجهود، ويكون هناك مكان واحد تتوجه إليه العائلات”.
ويتابع: “أتمنى أن تتوحد الجهود، مع تفهم موضوع السيادة الوطنية، على أن تكون الهيئة الوطنية للمفقودين هي التي تقود هذا المسار، ما يجعل من الضروري العمل على إنشاء منصة واحدة للاستفادة من كل المعلومات الموثقة حتى الآن”.
وعن سؤالنا حول وجود خطط مستقبلية لتأسيس هيئة مستقلة للمفقودين الفلسطينيين في سوريا، ينفي واصل وجود أي خطة من هذا النوع، ويؤكد أن “قضية المفقود الفلسطيني السوري جزء من قضية المفقودين في كل سوريا، ولا يوجد مشروع لتأسيس هيئة مستقلة من الجانب الحكومي، إذ لا تفرق النظرة الرسمية بين فلسطيني وسوري في هذه القضية”.
ويضيف: “قد يكون هناك تشكيل مصغر عبر هيئة اللاجئين العرب، وقد شهدنا سابقاً تجارب عندما أعلنت عن تشكيل لجنة للمفقودين، لكنها تمت من دون مشاورة عائلات المفقودين ومن دون تمثيلهم، ولا نعرف طبيعة عملها بدقة. وفي النهاية، تبقى هذه التشكيلات رهن التجربة، ورهن مشاركة العائلات الذين يجب أن يكونوا في قلب عملية البحث وكشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر وتخليد الذكرى، فهذا عنصر أساسي في نجاح أي تجربة”.
حين يُطرح سؤال “ماذا تريد الأمهات؟” على أمهات المفقودين، تبدو الإجابات متشابهة وبسيطة: معرفة المصير، هل هم أحياء أم أموات؟ وإذا كانوا قد ماتوا، هل يمكن الحصول على جثامينهم لدفنها؟
تعكس هذه المطالب حقاً أساسياً تكفله القوانين الدولية، يتمثل في حق العائلات في معرفة مصير أبنائها والوصول إلى العدالة.
بعد سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024، أُعيد فتح ملف المعتقلين والمعتقلات والمفقودين والمفقودات عبر تحركات تقودها منظمات محلية ودولية وجهات حقوقية، بالتزامن مع دخول بعض مراكز الاحتجاز السابقة ومحاولة جمع المعلومات المتعلقة بالمختفين.
لكن مؤسسات معنية بملف المفقودين تؤكد أن عملية البحث ما تزال شديدة التعقيد، في ظل نقص الموارد والتمويل، وصعوبة الوصول إلى المعلومات الرسمية، إضافة إلى غياب قواعد بيانات متكاملة تساعد في تحديد مصير الآلاف.
ورغم مرور السنوات، ما تزال آلاف العائلات تعيش داخل دائرة الانتظار نفسها؛ انتظار خبر، أو اسم في قائمة، أو شهادة نجاة، أو حتى تأكيد للموت.
بالنسبة لكثير من الأمهات، لم يعد السؤال متى يعود الأبناء، بل: هل ما يزالون أحياء؟ وأين اختفوا طوال هذه السنوات؟ ومن يملك الإجابات؟ وهل يمكن تحقيق عدالة حقيقية من دون كشف مصير عشرات الآلاف من المفقودين والمختفين قسراً؟
وفي ظل بطء العمل على هذا الملف وتعقيداته، يبقى سؤال آخر مفتوحاً: كم من الوقت تستطيع الأمهات الاستمرار في هذا الانتظار، بينما يتحول الغياب نفسه إلى حياة كاملة من القلق وعدم اليقين؟



