أثار الإضراب الذي نفذه موظفو وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” مؤخراً مخاوف واسعة في مخيمات اللجوء الفلسطيني، خصوصاً في ظل هشاشة الواقع التعليمي والخدمي في البلدان المضيفة. ففي مخيم الرمل الفلسطيني في اللاذقية يعتمد آلاف اللاجئين بشكل شبه كامل على مؤسسات الوكالة التعليمية والصحية والإغاثية، ما يجعل أي توقف في عملها مصدر قلق مباشر للأهالي والطلاب. وبينما يأتي الإضراب في سياق نزاع العمل بين إدارة الأونروا واتحادات العاملين على خلفية السياسات التقشفية وتقليص الرواتب، يطرح هذا الواقع تساؤلات أوسع حول أثر هذه الاحتجاجات على المجتمعات الفلسطينية في المخيمات، التي تجد نفسها مرة أخرى أمام تهديد جديد يطال خدمات أساسية يعتمد عليها آلاف اللاجئين في حياتهم اليومية.
يضم مخيم الرمل الفلسطيني أربع مدارس ابتدائية وإعدادية تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وهي: مدرسة جبع للتعليم الأساسي (الحلقة الأولى) للذكور، ومدرسة عتليت للتعليم الأساسي (الحلقة الأولى) للإناث، إضافة إلى مدرسة الخيرية ومدرسة مجد الكروم. وتعمل هذه المدارس بنظام الفترتين في مبنيين فقط (ابتدائي وإعدادي). كما يضم المخيم مؤسسات خدمية أخرى تابعة للأونروا، منها مركز توزيع غذائي واحد، ومركز صحي واحد، ومركز مجتمعي يتضمن مكتباً للإسناد الأسري، إضافة إلى مركز تدريب مهني ومكتب إقراض صغير.
وقد استجابت هذه المؤسسات جميعها للإضراب العام الذي دعت إليه اتحادات العاملين المحليين يوم الثلاثاء 3/3/2026. وعلى الرغم من أن الإضراب ليوم واحد لا يشكل خطورة ملموسة على سوية التعليم، فإن احتمالات استمرار الاحتجاجات أو تحولها إلى خطوات مفتوحة تثير تساؤلات لدى الأهالي حول استمرارية الخدمات التعليمية والإغاثية التي يعتمد عليها أكثر من 9 آلاف لاجئ في مخيم الرمل وحده.
منذ سبعينيات القرن الماضي اتجه سكان المخيم إلى إيلاء اهتمام متزايد بالتعليم، خاصة في مرحلتي التعليم الثانوي والجامعي، ما أسهم في رفع المستوى التعليمي بين أبناء المخيم. ولذلك بات التعليم أحد أهم هموم الحياة اليومية في المخيم. تقول والدة الطفل أحمد (ش)، الطالب في مدرسة الخيرية للتعليم الأساسي، إن تخوفها الأكبر يتمثل في تكرار مثل هذه الإضرابات، خصوصاً أن ابنها يستعد هذا العام لنيل شهادة التعليم الأساسي، في حين لا تسمح ظروفها المادية بالاعتماد على الدروس الخصوصية.
حال أم أحمد يشبه حال كثيرين في المخيم، خاصة فيما يتعلق بالتعليم الأساسي الذي يشكل قاعدة للانتقال إلى المرحلة الثانوية وتأمين مستقبل أكثر استقراراً في ظل واقع اللجوء في سوريا. ويزداد هذا القلق في ظل صعوبة توفر بدائل تعليمية مناسبة في بلد عاش حرباً استمرت خمسة عشر عاماً، إذ تشير تقارير أممية إلى تضرر أو دمار نحو 40% من المدارس السورية، إضافة إلى تسرب مدرسي طال 2.4 مليون طفل. كما يواجه الطلاب الملتحقون بالمدارس تحديات يومية عديدة، منها الاكتظاظ داخل الصفوف، وتعدد المناهج، ونقص الكوادر التعليمية والمقاعد والمواد الدراسية الأساسية، ما يجعل إيجاد بدائل مناسبة للطلبة الفلسطينيين أمراً بالغ الصعوبة.
إلى جانب ذلك، يعاني الواقع الاقتصادي العام في سوريا من ترهل شديد، ما يضع المجتمعات السورية، ومن ضمنها الفلسطينية، تحت عبء معيشي ثقيل. ومع تدهور الظروف الاقتصادية في المخيمات، يصبح طلاب مخيمات اللجوء من أكثر الفئات تأثراً بأي تعطل في عمل مؤسسات الأونروا، خصوصاً في ظل محدودية البدائل التعليمية واعتماد آلاف الأطفال على مدارس الوكالة لاستمرار مسارهم التعليمي.
يأتي إضراب يوم الثلاثاء في إطار نزاع العمل الدائر داخل الأونروا، على خلفية السياسات التقشفية التي أعلنتها إدارة الوكالة نتيجة أزماتها المالية المتكررة. وتشمل هذه السياسات تقليص بعض الخدمات وخصم نحو 20% من مستحقات الموظفين مقابل خفض ساعات العمل في عدد من الأقاليم، من بينها سوريا والأردن ولبنان.
وقد أثارت هذه الإجراءات اعتراض اتحادات العاملين المحليين التي أعلنت بدء “نزاع عمل” في 11 كانون الثاني/يناير 2026، متضمناً فترة حوار قبل تنفيذ خطوات احتجاجية. ووفق بيانات الاتحادات، جاءت هذه التحركات احتجاجاً على جملة إجراءات، من بينها تقليص الخدمات المقدمة للاجئين، وتجميد التوظيف، وتقليص مدة العقود، إضافة إلى خفض الرواتب وساعات العمل.
وعلى الرغم من أن هذه الاحتجاجات تأتي في سياق الدفاع عن حقوق الموظفين، فإن أثرها ينعكس مباشرة على المجتمعات التي تعتمد على خدمات الوكالة، خصوصاً في المخيمات التي تفتقر إلى بدائل حقيقية. ففي مخيم الرمل، حيث تشكل مدارس الأونروا ومراكزها الخدمية جزءاً أساسياً من البنية التعليمية والاجتماعية، يصبح أي توقف في العمل مصدر قلق مباشر للأهالي والطلاب.
ولا تقتصر المخاوف على متلقي الخدمات من الأهالي والتلاميذ، بل تمتد أيضاً إلى بعض موظفي الأونروا المحليين. إذ يشير أحد الموظفين إلى أن الخصم المالي طال بشكل أساسي صغار الموظفين، فيما جاء قرار الإضراب بقرار موحد من قيادات اتحادات العاملين، دون مشاركة واسعة من الموظفين في النقاش حوله.
ومع تقليص ساعات العمل اليومية مقارنة بالدوام المعتاد، وتقليص الوقت المخصص للحصص الدراسية، ظهرت نقاشات بين بعض الموظفين حول فكرة “الإضراب الإيجابي”، عبر التطوع لتقديم الدروس أو الخدمات خارج ساعات العمل الرسمية للتخفيف من أثر الإضراب على الطلاب. إلا أن مثل هذه المبادرات تبقى محدودة، إذ يخشى الموظفون أن يؤدي العمل خارج الإطار الرسمي إلى تعريضهم لمساءلات إدارية، في ظل ارتباط سياسات الحماية الوظيفية بساعات العمل المعتمدة.
في السياق الأوسع، يشير مختصون في التعليم إلى أن الإغلاق المتكرر للمدارس أو تعطيل العملية التعليمية لا يخدم المجتمعات الفلسطينية في المخيمات، بل يزيد من هشاشة الواقع التعليمي فيها. فبحسب تقديرات منظمة اليونسكو، تسهم محدودية الوصول إلى الخدمات التعليمية في ترسيخ ما يُعرف بالفقر التعليمي، وهو ما يفضي إلى اتساع الفوارق الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمعات.
في مخيم الرمل، حيث يشكل التعليم أحد أهم مسارات الصعود الاجتماعي لأبناء المخيم، يصبح الحفاظ على استمرارية العملية التعليمية مسألة أساسية بالنسبة للأهالي. إذ لا توفر مدارس الأونروا لا توفر التعليم فحسب، بل تمثل أيضاً بيئة اجتماعية مستقرة نسبياً للأطفال في ظل واقع اقتصادي صعب.
لذلك يتجاوز أثر الإضرابات في المؤسسات التعليمية داخل المخيمات خسارة يوم دراسي واحد، ليطرح تساؤلات أوسع حول استقرار العملية التعليمية في بيئة تعاني أصلاً من محدودية الموارد. لذلك يرى كثير من الأهالي في مخيم الرمل أن استقرار عمل المؤسسات التعليمية يجب أن يبقى أولوية، عبر إيجاد حلول تضمن حقوق الموظفين من جهة، وتحافظ في الوقت نفسه على حق الطلاب في التعليم واستمرار الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها آلاف اللاجئين في حياتهم اليومية.

