بعد أكثر من عقد على تهجير سكان مخيم حندرات شمال حلب، ومع سقوط النظام السابق، يبرز سؤال ثقيل لم يُحسم بعد: هل انتهت تغريبة الفلسطيني السوري أم أنها دخلت مرحلة جديدة؟ ماذا يعني أن يفقد الإنسان مخيمه، لا كمسكن فقط، بل كذاكرة جماعية ومساحة أمان؟ وهل يمكن للعودة أن تكون ممكنة في ظل غياب شروط الحياة واستمرار النزوح داخل سوريا وخارجها؟ يحاول هذا المقال الاقتراب من هذه الأسئلة عبر تتبع حكايات سكان مخيم حندرات، بين ما كان، وما فُقد، وما تبقّى من أمل بالعودة.
حندرات قبل النزوح: الحياة اليومية والذاكرة الجماعية
تأسس مخيم حندرات عام 1962 ليؤوي لاجئين فلسطينيين هُجّروا من قرى ومدن متعددة مثل صفد وحيفا وعكا. وبفضل صغر مساحته الجغرافية التي تُقدّر بـ160 ألف م²، استطاع سكانه بناء مجتمع متماسك وحققوا اندماجًا حقيقيًا مع المحيط. كان المخيم جزءًا لا يتجزأ من النسيج الحلبي، حيث عمل معظم السكان في المهن والحرف، ولم يقتصر نشاطهم على حدود المخيم.
لم يكن المخيم مكتظًا؛ فقد كان عدد سكانه قبل الحرب نحو 7000 شخص، مما أسهم في تشكيل حالة من الاستقرار المجتمعي تمثلت بالألفة بين السكان والمعرفة الوطيدة فيما بينهم. هذه العوامل خلقت حالة من التلاحم والتعاون بين أطيافه، وشعورًا قويًا بالأمان، كما ساهمت في تجديد ذاكرة فلسطين عبر المخيم. إلا أن هذا الاندماج ما لبث أن انكسر بعد النزوح، ولم يتمكن كثيرون من تجاوز فقدانه.
يروي هادي.ح، أحد سكان المخيم سابقًا والمقيم في لبنان حاليًا، أن المخيم كان يشبه فلسطين في تقسيمه، إذ كانت حاراته تحمل أسماء قرى فلسطينية. يقول:
“كنا نستطيع التجوال في المخيم من بدايته إلى نهايته خلال نصف ساعة. كنا نمشي ونقول: هاي حارة صفد، هاي حارة عين غزال، هاي حارة ترشيحا، وهاي حارة حيفا؛ كأننا في فلسطين. كل أهل الحارة معروفين بشيء، وكل شخص يعرف الآخر. المخيم كله كان بيتي. مع أني طلعت من حندرات، كل المخيم حاضر براسي، وما بقدر أن أرى صورته الحالية بعد الدمار. مخيمنا كان جنة على الأرض.”
تحوّل حندرات إلى ساحة صراع بسبب موقعه الاستراتيجي المطل على مدخل مدينة حلب الشمالي. عام 2013 دخل المخيم حيز النزاع، وكان مسرحًا لنزاع مسلح حتى عام 2016 حين استعاد الجيش النظام السوري السابق السيطرة. أدّت الصراعات إلى تدميره بنسبة تصل إلى 70%، مما اضطر معظم سكانه إلى المغادرة القسرية إلى داخل سوريا وخارجها، ولا تزال عودتهم تواجه صعوبات كبيرة حتى اليوم.
التغريبة المتجددة: من حندرات إلى برج البراجنة
لبنان أصبح جزءًا من سلسلة التغريبات الفلسطينية المستمرة، ويشكّل محطة جديدة لمعاناة الفلسطينيين السوريين. إحدى هذه الوجهات هي مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، الذي يشهد تغيّرًا مستمرًا في تركيبته السكانية؛ حيث يشكل السوريون أكثر من 45% من السكان، إلى جانب نحو 1500 فلسطيني سوري، بحسب مكتب اللجنة الشعبية للمخيم، نزحوا قبل سقوط النظام وبعده.
يعاني سكان المخيم من أزمات متعددة، أبرزها: أزمة الكهرباء والماء، انخفاض دعم الأونروا، عدم إدراج الفلسطينيين السوريين الذين نزحوا بعد عام 2023 ضمن قوائم المساعدات، وصعوبة إيجاد فرص عمل بسبب القيود الاقتصادية والقانونية.
مروى.ص، إحدى سكان حندرات ومن ثم النيرب، وتقيم اليوم في برج البراجنة مع زوجها وأطفالها الأربعة، تروي:
“شعوري تجاه حندرات كان وكأنها تعيش في فلسطين، والأمان الذي عرفته هناك لم أعشه في أي مكان آخر. هجرت مع عائلتي عام 2013 تحت تهديد السلاح والقصف، وسارت رحلتنا أكثر من أربع ساعات سيرًا على الأقدام بين القرى حتى وصلنا إلى حلب، ومن ثم إلى النيرب، قبل الانتقال لاحقًا إلى لبنان. رغم الصعوبات، يبقى الأمل بالعودة حيًا في قلوبنا.”
على عكس المتوقع، فإن النزوح السوري إلى لبنان لم يتوقف بعد سقوط النظام، إذ لا يزال الوضع المعيشي في سوريا غير مستقر، ولا توجد جهود إعمار كافية للمخيمات الفلسطينية المدمرة، مما يجعل النزوح خيارًا شبه دائم للفلسطيني السوري بحثًا عن حياة كريمة.
العودة كفكرة: بين الأمان المفقود والمستقبل المجهول
في الوقت الراهن، يسكن في مخيم حندرات نحو 245 عائلة بحسب مكتب الإحصاء في المخيم. وتشير بعض الشهادات إلى أن نسبة كبيرة منها تقيم في منازل غير صالحة للسكن، تفتقر إلى النوافذ والأبواب، ويستبدلونها بستائر بسيطة. يعاني السكان من شحّ كبير في المساعدات، وغالبيتهم ممن نزحوا سابقًا إلى النيرب ثم عادوا إلى المخيم، إما لعجزهم عن الاندماج هناك بسبب الاكتظاظ السكاني أو غلاء المعيشة وارتفاع الإيجارات.
قصة مروى، كسواها من القصص، لا تمثّل سوى وجه واحد من أوجه متعددة لتغريبة الفلسطيني السوري المستمرة، التي تتخذ أشكالًا جديدة مع تبدّل الجغرافيا. ومع ذلك، يبقى الأمل بالعودة قائمًا، لكنه صعب التحقيق في ظل وضع المخيم الحالي. هناك أسئلة كثيرة من أهالي حندرات في الداخل والخارج عن مستقبل بيوتهم المدمرة، وأملهم بإعمار المخيم وانتظار تحول حقيقي يعيد الحياة إلى المخيمات المدمرة.

