في زمنٍ سبق المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، كانت صحافة مخيم اليرموك واحدة من أبرز المساحات التي حاول الفلسطينيون عبرها كتابة يومياتهم، والدفاع عن قضاياهم، وصناعة حضورهم السياسي والثقافي في الشتات. لم تكن الصحافة في المخيم مجرد مهنة أو وظيفة، بل كانت جزءاً من الحياة العامة، وامتداداً للنقاشات السياسية والفكرية والاجتماعية التي عرفها المخيم بوصفه أكبر تجمع فلسطيني خارج فلسطين. بين أواخر التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة، صدرت من اليرموك ومن محيطه مجلات أسبوعية ونصف شهرية وشهرية، بعضها تابع للتنظيمات الفلسطينية، وبعضها جاء من مبادرات شبابية وثقافية أكثر قرباً من الناس.

بالنسبة لي، بدأ اهتمامي بالكتابة في الصحافة الفلسطينية منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتوقف بفعل الاعتقال السياسي في سجن صيدنايا على خلفية نشاط مرتبط باللجان الشعبية الفلسطينية وحزب العمل الشيوعي في سوريا. لاحقاً، عاد هذا المسار ليتشكل من جديد مع دراسة الفنون المسرحية وآدابها في النصف الأول من التسعينيات، حيث اتسع الأفق نحو العمل الثقافي والإعلامي.

بعد ذلك، بدأت التجربة الصحفية فعلياً من خلال مجلة الهدف السياسية التي تصدرها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم تعمقت أكثر مع العمل في مجلة الحرية التابعة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عام 1998. ومن خلال هذا المسار، والاحتكاك المباشر بغرف التحرير وآليات العمل اليومية، يمكن قراءة تجربة صحافة المخيم بوصفها مساحة مركبة، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع المهنية، وتنعكس فيها تحولات المجتمع الفلسطيني في الشتات.

بين الصحافة المركزية وصحافة المبادرات

يمكن تقسيم صحافة مخيم اليرموك في تلك المرحلة إلى اتجاهين رئيسيين. الأول، الصحافة المركزية الناطقة باسم التنظيمات الفلسطينية الكبرى، والتي كانت تصدر عبر هيئات تحرير تتابعها المكاتب السياسية، كما في مجلات الهدف والحرية وإلى الأمام والمجاهد وغيرها. والثاني، صحافة محلية أو شبابية أطلقتها منظمات وهيئات عاملة داخل المخيم، إلى جانب منتديات وأندية ثقافية، مثل منتدى الخالصة، والنادي الفلسطيني للسينما، والمركز الثقافي الفلسطيني، وبعض المجلات الثقافية المستقلة.

في الصحافة المركزية، كانت آلية العمل أقرب إلى الصحف الرسمية. رئيس تحرير، مدير تحرير، سكرتير تحرير، محررون للأقسام السياسية والثقافية والعربية والدولية، إلى جانب المدقق اللغوي، والمخرج الفني، ومسؤول الأرشيف والصور. وكانت الاجتماعات الدورية تعقد لتقييم العدد السابق، ومراجعة الأخطاء الفنية والتحريرية، ثم وضع خطة العدد الجديد. وكان لكل قسم مواده وأبوابه، من الشأن الفلسطيني، إلى شؤون المخيمات، والأونروا، والضفة الغربية، وقطاع غزة، والداخل الفلسطيني، وصولاً إلى الملفات العربية والدولية.

هذا الشكل التنظيمي منح الصحافة قدراً من الجدية والانضباط، وخلق حالة من المتابعة المستمرة للأحداث، لكنه بقي محكوماً في كثير من الأحيان بمرجعية سياسية واضحة. فالمجلة لم تكن مؤسسة مستقلة بالكامل، بل جزءاً من بنية تنظيمية لها خطابها وأولوياتها وتحالفاتها. لذلك، كانت بعض الأعداد تتحول في مناسبات معينة إلى ملفات خاصة بالانطلاقة السنوية، أو كلمات الأمناء العامين، أو المهرجانات المركزية، بما يعكس ثقل المؤسسة السياسية داخل العمل الإعلامي.

في المقابل، كانت الصحافة المحلية والشبابية أكثر مرونة وأقل مركزية. إذ ضمت أحياناً صحفيين من خارج التنظيمات، أو كتاباً قادرين على العمل في ظروف صعبة، واهتمت بملفات أقرب إلى الحياة اليومية: الشباب، التعليم، الثقافة، الندوات، قضايا المخيم الاجتماعية والنفسية، إلى جانب الشأن الوطني العام. هذه الصحافة، وإن كانت أقل إمكانات، بدت أكثر قرباً من الناس، وأكثر قدرة على ملامسة نبض المكان.

حين يتقدم الموقف السياسي على المهنية

المشكلة الأبرز في تجربة صحافة المخيم تمثلت في تغليب الموقف السياسي على المعايير المهنية. فقد كانت كثير من المواد تُكتب انطلاقاً من موقف مسبق، لا من سؤال صحفي مفتوح. وفي ملفات عديدة، كانت زاوية المعالجة محددة سلفاً وفق رؤية التنظيم، سواء في الموقف من اتفاق أوسلو، أو من السلطة الفلسطينية، أو من الخلافات الداخلية، أو من القضايا العربية المحيطة.

كما انعكست علاقات التنظيمات السياسية بالدول المضيفة على سقف النقد وحدود التغطية. فهناك موضوعات كان الاقتراب منها صعباً، أو يجري تناولها بحذر شديد، بينما تُفتح ملفات أخرى بسهولة أكبر. وهذا جعل الصحافة، في بعض لحظاتها، أقرب إلى التعبير السياسي منها إلى العمل الصحفي المستقل.

ولم تكن المركزية سياسية فقط، بل تحريرية أيضاً. ففي كثير من الأحيان، كان القرار النهائي بيد رئيس التحرير أو المشرف العام، وهو ما قلّص التعددية داخل غرفة الأخبار، وأضعف دور المحررين الشباب أو أصحاب الآراء المختلفة. ورغم وجود اجتماعات وهيئات تحرير، بقيت الكلمة الفصل في يد قلة محددة.

ومع ذلك، لا يجوز اختزال التجربة في هذا الجانب. فقد قدمت صحافة المخيم مساهمات حقيقية في تغطية قضايا اللاجئين، وشؤون الأونروا، والتعليم، والتحولات الفلسطينية اليومية، كما خصصت مساحات للثقافة والأدب والفن. وكانت بعض الصفحات الثقافية نشطة في متابعة الكتب والندوات والسينما والمسرح، ما أتاح للصحافة أن تكون منبراً عاماً لا مجرد نشرة سياسية.

ومن الجوانب المهمة أيضاً علاقة القراءة بالعمل الصحفي. فقد كان كثير من الصحفيين يقرأون باستمرار، سواء الكتب السياسية الصادرة عن تنظيماتهم، أو الروايات والدواوين والدراسات الفكرية المتداولة في الوسط الثقافي. هذه القراءة انعكست على اللغة والأسلوب، ومنحت عدداً من المحررين قدرة أفضل على الكتابة والتحليل، حتى لو بقيت ضمن سقف سياسي محدد.

ما الذي بقي من التجربة؟

ومن أبرز ملامح تلك المرحلة في صحافة المخيم، الحضور النسوي الإبداعي الذي فرض نفسه داخل المشهد الثقافي، سواء عبر الكتابة الأدبية أو المشاركة في إنتاج النصوص الثقافية والصحفية. فقد برزت أسماء مثل الروائية نعمة خالد التي قدّمت أعمالاً روائية وقصصية من بينها البدد وليلة الحناء والمواجهة ووحشة الجسد ونساء، حيث حملت كتاباتها حسّاً سردياً يقترب من التفاصيل اليومية للمرأة الفلسطينية في المخيم، ومن أسئلة الجسد والذاكرة والهوية.

كما برزت الروائية مي جليلي التي اشتغلت على نصوص ذات طابع رمزي وتأملي، من بينها قبضة غبار وقناديل الجليل وبراري النرجس وجلد الثور وحجر الزار والقصب، مقدمة تجربة تمزج بين الحس الشعري والسرد الروائي، في مقاربة مختلفة للكتابة النسوية داخل سياق المخيم. إلى جانبها، كتبت القاصة سلوى الرفاعي نصوصاً قصصية لافتة مثل بقعة ضوء في الرماد ودمي يزهر في راحتك ودينا، التي اتسمت بكثافة لغوية وبحث في الألم الفردي والذاكرة الجمعية.

كما حضرت الروائية فاطمة شعبان من خلال عملها شوك الجبل، إلى جانب المسرحية والصحفية خزامى رشيد التي نالت جائزة الشارقة المسرحية عن نصها الهوتا، ما يعكس امتداد التجربة النسوية إلى المسرح أيضاً، وليس فقط إلى القصة والرواية.

ورغم هذا الحضور اللافت، فإن المعالجة الصحفية في المخيم لم تتعامل مع هذا الإنتاج بوصفه ظاهرة ثقافية متكاملة تستحق الرصد النقدي والمتابعة المستمرة، بل جرى التعامل معه في الغالب بشكل متفرق، عبر مقابلات أو تغطيات مناسباتية. وهذا ما شكل أحد أوجه القصور في الصحافة الثقافية آنذاك، إذ غابت الرؤية التي تقرأ هذا الحضور النسوي كتحول في بنية الكتابة داخل المخيم، لا كمجرد أسماء فردية معزولة.

إلى جانب ذلك، عانت صحافة المخيم من ضعف حضور خريجي الإعلام والمتخصصين، ومحدودية المعالجة الاقتصادية والاجتماعية، وندرة التحقيقات المعمقة، وضعف الأرشفة والتوثيق. كما ظهر الشتات الفلسطيني في كثير من المواد من بوابة اللجوء والمساعدات فقط، أكثر من ظهوره من بوابة الإبداع والعمل والثقافة وصناعة الحياة.

اليوم، تبدو العودة إلى تلك التجربة ضرورية، لا بدافع الحنين إلى زمن الورق، بل لاستخلاص الدروس. فالمخيمات الفلسطينية ما زالت بحاجة إلى إعلام يعكس واقعها، لكن بأدوات جديدة: الصحافة الرقمية، السرد البصري، التدريب المهني، والانفتاح على الأجيال الشابة. كما أن الصحافة التي تنتمي إلى الناس وهمومهم اليومية، وتوازن بين الانحياز الوطني والاستقلال المهني، تبقى الأقدر على الاستمرار.

بين ما نجح وما أخفق، تبقى صحافة اليرموك تجربة جديرة بالقراءة والنقد، لأنها تروي كيف حاول مخيم بأكمله أن يكتب نفسه، وأن يصنع من الكلمة مساحة حضور في زمن اللجوء.

Exit mobile version