“لا أريد أن أكون أداة في منظومة تنتهك حقوق الإنسان”. بهذه العبارة لخّص طه خطاب سبب استقالته من وظيفة ثابتة ومرموقة داخل دائرة الهجرة السويدية Swedish Migration Agency، بعد ثمانية أشهر فقط من عمله فيها.
وصل خطاب، الفلسطيني السوري من مخيم اليرموك، إلى السويد عام 2014 لاجئًا قاصرًا دون أهله، لكنه سرعان ما اندمج في المجتمع، وتعلم لغته، ودرس القانون والعلاقات الدولية. وفي عام 2024، صُنّف ضمن أكثر مائة شخصية مؤثرة في السويد، بعد أن كان المتحدث الرسمي باسم المخيم الطلابي أمام جامعة غوتنبرغ نصرةً لغزة.
لاحقًا، عمل في مراكز الترحيل التابعة لدائرة الهجرة، قبل أن تدفعه مشاهداته اليومية لانتهاكات حقوق الإنسان إلى التحول لصوت ناقد من داخل المنظومة، واتخاذ قرار الاستقالة. لم تتوقف مواقفه عند ذلك، بل تبعها نشر مقالات توثق هذه الممارسات.
تأتي استقالته في سياق تحولات أوسع تشهدها سياسات الهجرة في السويد وأوروبا، مع صعود اليمين وتشدد الإجراءات منذ عام 2015. في هذه المقابلة، يتحدث خطاب عن كواليس العمل داخل مراكز الترحيل، وما دفعه للاختيار بين المهنة الحكومية والضمير الإنساني.
• من لاجئ قاصر دون مرافق إلى مشرف في مركز ترحيل اللاجئين، كيف قادتك تجربتك لتصل إلى هذا المكان؟
عندما وصلت طفلًا أصبحت السويد بمثابة أمي الثانية. كنت وحيدًا، خائفًا، لكن هذه البلد احتضنتني، ولذلك فالمجتمع السويدي يعني لي الكثير. في عام 2014 كانت سياسة اللجوء أرحم مما شهدته لاحقًا في مهنتي بمراحل. تجربتي كانت جيدة جدًا. وأنا لا أنسى جميل هذا البلد عليّ. لذلك قررت أن أردّ الإحسان بالإحسان. وحتى عندما قدمت استقالتي فعلتها لأنني أحب السويد، وعندما تحب شخصًا ما وتراه يخطئ عليك أن تنبّهه.
بالطبع عملت قبلها مع عدد من المؤسسات ومع البلدية ومراكز ثقافية. لكن اختياري العمل في الهجرة لم يكن صدفة. نحن كفلسطينيين، لطالما عانينا من الظلم، وما زلنا نعاني، لذلك أردت العمل مع الفئات المستضعفة ومساعدة الناس. فكان العمل الحكومي مرتبطًا بدراستي وبقناعاتي. اخترته لإيماني بسيادة القانون وكرامة الإنسان. وسرعان ما حصلت على عقد ثابت هناك.
• ما هي المراحل التي تمر بها ملفات المحتجزين لتصل إلى قرار الاحتجاز؟ وكيف تصف طبيعة عملك داخل هذه المؤسسة؟
بحسب خطاب، يصل الأشخاص إلى مراكز الاحتجاز غالبًا بعد صدور قرار ترحيل نهائي بحقهم لا يمكن الطعن فيه. هناك حالات أخرى عندما لا يمكن تحديد هوية الشخص بدقة لقلة أو عدم توفر الوثائق الرسمية. وفي حالات نادرة جدًا، يكون هناك ترحيل على خلفية جنائية. القرار باحتجاز الشخص داخل هذه المراكز يعني وضعه في إقامة جبرية حتى يتم ترحيله. ويتم التوصل إلى هذا القرار في كثير من الأحيان بالتعاون بين مصلحة الهجرة والشرطة وشرطة الحدود، وأيضًا بعض المؤسسات الأمنية.
كنت أعمل كمشرف في مركز تسفير في مدينة غوتنبرغ، وهو موقع شديد الحساسية أمنيًا، لأنه يقع ضمن أكبر مؤسسات الترحيل للاجئين. تم إنشاؤه من قبل الحكومة المتطرفة الجديدة في السويد عام 2022، وحاولوا الترويج له على أنه فخر السياسة السويدية ضد المهاجرين. دوري كان التنسيق بين جهات متعددة: القضاء، الشرطة، شرطة الحدود، ومؤسسات أخرى. كنت أتحرك بين المهاجع، السجون، مطار المدينة، ومراكز الاحتجاز، وأطّلع على كل التفاصيل التي تخص الحياة اليومية للمقيمين في هذا المكان تقريبًا.
الحكومة تقول إنها ترحّل مجرمين، لكن ما شهدته كان مختلفًا تمامًا عن الرواية الرسمية. أغلب الموجودين في المركز كانوا أمهات، آباء، أحيانًا عجائز، وشباب بين 18 و25 عامًا، كثير منهم متعلمون، يدرسون أو يعملون. رأيت أيضًا أشخاصًا من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأشخاصًا يعانون من أمراض خطيرة، ومع ذلك كانوا محتجزين. كانت الأوضاع تسوء يومًا بعد آخر، حتى إنه كان تصدر قرارات غريبة بترحيل أطفال رضع لا تتجاوز أعمارهم الأشهر. لاحقًا، بعد أن تركت عملي، صرحت للصحافة السويدية أن هذا المكان أشبه بسجن، لكنني ندمت بعد ذلك، لأنه أسوأ من السجن بكثير.
• ماذا تقصد بأن الواقع كان مختلفًا عن الرواية الرسمية؟ ما أبرز الممارسات والتجاوزات التي شهدتها هناك؟
بحسب خطاب، نظريًا المفترض أن تكون وظيفتنا تشجيع العودة الطوعية، من خلال الحوار وتأمين العودة بشكل آمن، وحماية حق اللجوء واتباع القانون السويدي بما يضمن حقوق وكرامة الإنسان. لكن في الواقع، كانت هذه المؤسسة تتبع سياسة أقل ما يقال عنها إنها تتنافى مع القانون الدولي واتفاقيات حقوق الإنسان المتعلقة باللاجئين، بل وتنتهك القانون السويدي للتعامل مع الأجانب.
كنت أشهد حالات تهديد مباشر للمحتجزين. اختيار الحلقة الأضعف في العائلة، كالأم مثلًا التي يكون أطفالها بحاجة إليها، ويتم تعريضها لظروف احتجاز وتحقيق قاسية بهدف الضغط عليها لقبول ترحيل الأسرة كلها. ومن الطرق المتبعة أيضًا، إذا كانت العائلة كلها تعيش في الشمال مثلًا، يتم احتجاز فرد من العائلة في مراكز في الجنوب حتى تصبح الزيارات أصعب، لأنها قد تستغرق نحو 15 ساعة سفر.
الانتقادات التي وثقتها لهذه الجهة دعمتها تقارير لمنظمات أخرى. منها تقرير عن المركز السويدي للهندسة المعمارية والتصميم. هذا التقرير يشرح بالتفصيل كيف تم هندسة وتصميم هذه الأماكن: من إضاءة ساطعة جدًا ومساحات بيضاء فقط دون ألوان، وأثاث من طاولات وكراسي وأسرة مثبتة بالأرض، وأبواب فولاذية ثقيلة وغرف عزل انفرادية، ناهيك عن ضيق المساحات وأبواب الحمامات القصيرة التي تنتهك الخصوصية. كل ذلك بهدف خلق بيئة ضغط وترهيب نفسي على اللاجئين. (صور لأماكن الاحتجاز من التقرير)
• هل اتسمت سياسات الهجرة واللجوء في السويد بهذا النهج منذ البداية؟ أم أنها شهدت تحولات مع الوقت لتصل إلى هذه المرحلة؟
الفرق بين فترة وصولي أنا كلاجئ في عام 2014 واليوم كبير جدًا، كالفرق بين الثرى والثريا. عندما جئت، كان المجتمع أكثر انفتاحًا وتقبلًا. اليوم هناك تحولات مرتبطة بصعود اليمين بشكل عام، خصوصًا حزب “الديمقراطيين السويديين“، الذي أصبح قوة مؤثرة وفرض شروطه على الحكومة بعد أن أصبح ثاني أكبر حزب في السويد، مما اضطر الأحزاب الأخرى لتشكيل حكومة توافق معه.
الاتفاق السياسي بين الأحزاب الحاكمة جعل ملف الهجرة، خصوصًا الترحيل، مركز ثقل أساسي، واعتمدوا عليه في حملاتهم الانتخابية. وبالتالي باتت مراكز التسفير المكان الذي تظهر فيه هذه السياسات العنصرية ضد فئات معينة من المجتمع بشكل أوضح. نحن الآن في هذه المراكز بتنا نرحّل طلاب طب وهندسة وصيدلة، ونرحّل مرضى وأمهات وأشخاصًا كانوا جزءًا من المجتمع. هذا التحول كان صادمًا حتى للمجتمع السويدي نفسه. ولذلك شكلت استقالتي ونقدي لهذا المكان صدى واسعًا جدًا.
لكن حجتي الأساسية في نقده كانت أنه من المفترض أن تكون هناك استقلالية في المؤسسات وفصل بين السلطات. لذلك كنت أقول دائمًا إنه لا يجب علينا اتباع سياسة الحكومة، وخاصة إن كانت متطرفة. علينا كمؤسسة أن نتبع حقوق الإنسان واتفاقيات حقوق الطفل والمعاهدات الدولية والأوروبية.
• ما القشة التي قسمت ظهر البعير بالنسبة لك، والتي على إثرها أخذت القرار بالاستقالة؟
لا يمكنني الحديث بالتفصيل عن حالة بعينها لأنني وقعت على حماية الخصوصية. لكن الحقيقة أنه كان هناك العديد من الحالات التي تأثرت بها بشكل كبير وساهمت بأن أتخذ قرار الاستقالة. من بينها حالة شخص حاول الانتحار بسبب الظروف داخل المركز، وشهدت على ذلك. كذلك رؤية أشخاص كبار في السن يعانون من أمراض خطيرة وهم محتجزون.
لكن أكثر ما أثر فيّ كان مشهد أم كانت تتابع أطفالها عبر شاشة الكمبيوتر، لأنها لا تستطيع رؤيتهم إلا مرة في الأسبوع. وأيضًا موقف لطفل، ترجّتنا والدته أن نخبره أن والده يعمل لدينا وأنه ليس محتجزًا. عندها سألني: “لماذا تجبرون أبي على العمل في مكان بشع كهذا؟”.
هذه اللحظات كلها، والتراكمات، من مواقف صغيرة وكبيرة لا أخلاقية ولا إنسانية، كانت تتنافى بشكل كبير مع مبادئي، وتأثرت بها نفسيًا أيضًا، فقد عانيت من الأرق والتوتر المستمر، وبطبيعة الحال أدى كل ذلك إلى قرار حاسم بالاستقالة.
• لماذا قررت الاستقالة بدل محاولة التغيير من داخل المؤسسة؟
حاولت التغيير كثيرًا. كنت أرسل إيميلات دائمًا بالانتهاكات التي أراها وأنوّه لتعارضها مع القانون. حتى إنني في مرة خصصت وقتًا خارج أوقات الدوام للعمل على وثيقة توضح القوانين الدولية وحقوق الإنسان للتعامل مع المحتجزين، وطبعتها، وعلقتها في المكتب. في أحيان أخرى رفضت تنفيذ بعض الإجراءات التي اعتبرها مخالفة للقانون، مثل التفتيش التعسفي، وحذرت المؤسسة أنه في حال القيام بهذا الإجراء فإنني سأقدم دعوى رسمية ضدها.
لكن هذه المحاولات لم تغيّر شيئًا على أرض الواقع. وكنت أعلم أنني إذا استمريت بالعمل هناك فإنني قد ألجأ لعصيان مدني للأوامر، حتى إنني قد أقف على باب الطائرة لمنع ترحيل بعض الأشخاص بجسدي. شعرت بمسؤولية أخلاقية كلاجئ سابق، وقررت أن أقدم استقالتي كاحتجاج سلمي. هذا كان الشيء الوحيد الذي أملك القدرة على التحكم به.
في البداية طلبت إجازة لمدة عامين لأتابع دراسة الماجستير في علم الاجتماع وحقوق الإنسان. وعندما انتهت إجازتي في شهر مارس/آذار هذا العام، قدمت استقالتي فورًا. هم كتبوا سببًا آخر على الطلب، لكنني شطبته وكتبت “بسبب انتهاكات حقوق الإنسان”.
• كيف كانت ردود الفعل على قرارك؟
رغم أنني لست الوحيد ممن قدم استقالته من هذا المكان، لكني لاحظت أن الغالبية يستقيلون بصمت، وهذا شيء مؤسف للغاية. هذه الانتهاكات يجب أن يتم فضحها علّها تتوقف. لذلك كتبت عدة مقالات لشرح تفاصيل استقالتي وأسبابها.
بعد استقالتي، تواصل معي العديد من الزملاء السابقين وأخبروني أنهم استقالوا لنفس السبب. أحدثت هذه الاحتجاجات السلمية المتكررة بالاستقالات فرقًا، فقد أعلن رئيس الوزراء السويدي إيقاف قرارات التسفير لليافعين ممن بلغوا 18 سنة بعد رفض طلبات إقامتهم. أي أن الأمر لم يقتصر على صدى إعلامي فقط، بل أحدث تغييرًا حقيقيًا على حياة كثير من الأشخاص الذين كان من المقرر تسفيرهم. كذلك صدر مؤخرًا رد رسمي من رئيسة قسم في مركز الاحتجاز التابع لمصلحة الهجرة على مقالتي لتبرر موقفها، وهذا شيء قلّما يحدث.
الجيد أنه هناك دعم كبير جدًا من المجتمع السويدي، حتى من أشخاص لا يتفقون معي سياسيًا. كثيرون قالوا إنهم يحترمون القرار لأنه إنساني. أنا لست بطلًا، أنا فعلت فقط ما يرضي ضميري، وأنا اليوم مرتاح.
في المقابل، تعرضت لهجوم ومضايقات من جماعات يمينية متطرفة. لم يكن الأمر مقلقًا بالنسبة لي، فقد سبق أن تعرضت لمثل هذا النوع من الضغوطات بسبب حراكي السياسي نصرة لفلسطين. لكني بالطبع تواصلت مع الشرطة وقوى الأمن بسببه. ما أريد قوله هو أنه، وبشكل عام، كان الدعم أكبر من كل التوقعات، وفتح نقاشًا واسعًا ومهمًا حول سياسات الهجرة في السويد، وهذا ما كنت أرجوه.
• ما هي خطواتك القادمة؟ وما الرسالة التي تريد إيصالها اليوم بعد استقالتك؟
كتبت رسالة الماجستير عن موضوع الهجرة أو الأمراض النفسية التي يعاني منها اللاجئون عند وصولهم للسويد. حاليًا، أنا متطوع في إحدى المنظمات وأسعى لنيل شهادة الدكتوراه.
بالنسبة لي، لا بد للإنسان أن يبقى إيجابيًا ويتحلى بالأمل. التغيرات الجذرية لا تتم بيوم وليلة، بل تحتاج نفسًا طويلًا لنتمكن من الاستمرار ونصل لغايتنا بالتغيير. لذا يجب التحرك لإيقاف هذه المؤسسة بكل السبل القانونية الممكنة، مع ضرورة الاستمرار بالاحتجاج السلمي والتوعية.
بالنهاية، أدرك تمامًا أن هذه المؤسسة وممارساتها وما تقوم به من انتهاكات ستتكشف أكثر مع الوقت، وستكون عندها فضيحة أخلاقية كبيرة، كما وستكون وصمة عار ونقطة سوداء في تاريخ السويد.

