منذ سقوط النظام السوري السابق، يشهد مخيم اليرموك عودة تدريجية للعائلات التي هُجّرت عنه خلال سنوات الحرب. ومع زوال القيود الأمنية التي فرضها النظام بعد استعادته السيطرة على المخيم عام 2018، بدأت بعض العائلات بالعودة وترميم منازلها بجهودها الذاتية، رغم الدمار الواسع الذي طال المخيم. تقدّر نسبة الدمار بنحو 80% من عمران اليرموك، بين دمار جزئي وكلي. ورغم ذلك تمكنت نحو 7500 أسرة من العودة إلى المخيم حتى الآن، بحسب تقديرات مسؤولين محليين نقلتها تقارير إعلامية، في ظل غياب شبه كامل للبنى التحتية والخدمات الأساسية. لكن عودة السكان، على أهميتها، لم تُنهِ الأسئلة الثقيلة التي تحيط بمستقبل المخيم، بل أعادت طرحها بقوة أكبر. فبين أنقاض الأبنية المدمرة، يواجه أبناء اليرموك سؤالاً مركزياً: ما الذي سيبنى هنا مستقبلاً، وكيف، ولمن؟

من عاصمة للشتات إلى ساحة لإعادة التعريف

لم يكن مخيم اليرموك مجرد حيّ سكني في جنوب دمشق. قبل الحرب، كان أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا، وموطناً لأكثر من ربع مليون لاجئ، منهم نحو 160 ألفاً مسجّلين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). كان المخيم بمثابة عاصمة اجتماعية وثقافية للشتات الفلسطيني في سوريا، ومركزاً للحياة السياسية والثقافية الفلسطينية، فضلاً عن كونه مساحة يومية لتجسيد فكرة العودة التي عاش عليها اللاجئون منذ النكبة. لكن مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحوّل المخيم تدريجياً إلى ساحة صراع مسلح، قبل أن يتعرض لدمار واسع خلال سنوات الحرب. وعندما استعاد النظام السوري السابق السيطرة عليه عام 2018، بدأ مساراً لإعادة تعريف المخيم عمرانياً وسياسياً.

المخطط التنظيمي وسؤال الشرعية

في عام 2020، أعلن النظام السابق مخططاً تنظيمياً جديداً لمنطقة اليرموك. ومنذ اللحظة الأولى، أثار هذا المخطط مخاوف واسعة بين اللاجئين الفلسطينيين، لأنه لم يُقدَّم بوصفه مجرد خطة لإعادة إعمار منطقة مدمّرة، بل كمشروع لإعادة تشكيل المكان نفسه. وفق المخطط، لن يتمكن سوى نحو 40% من المالكين من العودة إلى عقاراتهم بعد ترميم الأبنية المصنفة ضمن فئة “الأقل ضرراً”. أما بقية السكان، أي نحو 60%، فسيحصلون على ما يُعرف بـ“أسهم تنظيمية” وفق المرسوم رقم 5 لعام 1982، من دون ضمان واضح لسكن بديل فعلي. هذا الترتيب يعني عملياً إعادة رسم جغرافيا المخيم وتركيبته السكانية، كما يتضمن تغيير تعريفه الإداري من “مخيّم” إلى “حيّ اليرموك”، وهو ما يفتح الباب أمام مخاوف جدية من تآكل طابعه الفلسطيني. وبذلك لم يعد المخطط مجرد مشروع عمراني، بل مشروعاً لإعادة تعريف الهوية السياسية للمكان. مع سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024، برز سؤال جديد حول مصير هذا المخطط. فحتى الآن، لم يصدر إعلان رسمي بإلغائه، ما يعني أنه ما يزال قائماً من الناحية القانونية. وهذا يضع آلاف اللاجئين الفلسطينيين أمام حالة من الغموض: هل ستتعامل السلطة الجديدة مع المخطط بوصفه أمراً واقعاً، أم ستعيد النظر فيه باعتباره نتاجاً لمرحلة سياسية انتهت؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق فقط بمصير الأبنية المدمرة، بل بمصير المخيم نفسه.

المسؤوليات وأسئلة المستقبل

على السلطات السورية الجديدة أن تدرك أن اليرموك ليس مجرد ملف عمراني ضمن عملية إعادة إعمار سوريا، بل هو ملف سياسي وإنساني يتقاطع فيه حق السكان في السكن مع حق اللاجئين الفلسطينيين في الحفاظ على وضعهم القانوني وهويتهم الجماعية. ومن هنا تبدو الخطوة الأولى الضرورية هي تجميد العمل بالمخطط التنظيمي بصيغته الحالية، وفتح نقاش شفاف حوله، يضمن تثبيت حقوق الملكية، ومعالجة أوضاع من فقدوا وثائقهم خلال سنوات الحرب، ووضع آليات تعويض عادلة تضمن سكناً فعلياً للسكان، لا مجرد حصص نظرية. لكن مسؤولية مستقبل اليرموك لا تقع على دمشق وحدها، فالمؤسسات الفلسطينية الرسمية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، لا يمكن أن تبقى على هامش هذه القضية، إذ ما يزال شعار المنظمة ينص على تمثيل الشعب الفلسطيني “حيثما وُجد”، وهو ما يجعل قضية المخيمات الفلسطينية في سوريا جزءاً من مسؤوليتها السياسية المباشرة. أول ما هو مطلوب في هذا السياق هو الانتقال من بيانات التضامن إلى خطة عملية للمساهمة في إعادة إعمار المخيم، بالتنسيق مع السلطات السورية الجديدة ووكالة “أونروا”، رغم الأزمة المالية الحادة التي تمر بها الوكالة. كما ينبغي تحريك القضية دولياً، لأن مسألة اللاجئين الفلسطينيين ليست قضية محلية فحسب، بل قضية أممية ترتبط بقرارات دولية وبمؤسسة أممية مسؤولة عنهم. إلى جانب ذلك، تبرز حاجة ملحة إلى إشراك سكان المخيم أنفسهم في تقرير مستقبله. فسنوات الحرب والتهجير أضعفت آليات التمثيل التقليدية، وخلقت فجوة متزايدة بين السكان والجهات التي تدّعي تمثيلهم. ومن هنا تبدو فكرة تشكيل هيئة تمثيلية منتخبة من أبناء المخيم في الداخل والشتات خطوة ضرورية، بما يسمح بإشراك الأهالي فعلياً في صياغة مستقبل المخيم ومتابعة ملف إعادة إعماره.

يبقى مستقبل اليرموك معلقاً على مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها: هل سيتم إلغاء المخطط التنظيمي بشكل كامل؟ ما الإطار الزمني لإعادة الإعمار؟ كيف ستُموَّل العملية؟ وما الضمانات لعدم حدوث تغيير ديمغرافي يمس الطابع الفلسطيني للمخيم؟ هذه الأسئلة لا تهدف إلى خلق مواجهة سياسية، بل إلى فتح نقاش جدي حول مستقبل المخيم. فاليرموك ليس مجرد حيّ دمرته الحرب، بل ذاكرة سياسية وجماعية للاجئين الفلسطينيين في سوريا، والطريقة التي سيُعاد بها بناؤه ستحدد ما إذا كان سيعود كمخيّم يحمل تاريخه وهويته، أم يتحول إلى حيّ جديد بلا ذاكرة.