لم تكن عودة الفلسطينيين السوريين من لبنان إلى سوريا خلال الحرب الدائرة حالياً في المنطقة خياراً بسيطاً أو طوعياً، بقدر ما كانت هروباً من خطر مباشر إلى مصير مجهول. ففي لحظة واحدة وجد كثيرون أنفسهم أمام معادلة قاسية: البقاء تحت القصف في بلد اللجوء، أو العودة إلى بلد لم يتعافَ بعد من حربه الطويلة.
مع اندلاع التصعيد العسكري في أواخر شباط، واتساع رقعة المواجهات الإقليمية، دخل حزب الله المواجهة دعماً لإيران، ليتحوّل لبنان سريعاً إلى ساحة حرب مفتوحة. ومع تصاعد الغارات وتشرد مئات الآلاف من اللبنانيين والنازحين، اندفعت موجة عودة سريعة شملت آلاف السوريين والفلسطينيين السوريين الذين كانوا قد نزحوا إلى لبنان خلال سنوات الحرب في سوريا. وتشير تقديرات منظمات الأمم المتحدة إلى أن عدد العائدين إلى سوريا بلغ نحو 30 ألف شخص خلال الأسبوع الأول فقط.
لكن هذه العودة لم تكن بالضرورة عودة إلى الأمان. فقد عاد كثيرون إلى مناطق مدمّرة أو إلى مخيمات ما تزال تعيش بين الأنقاض، لتتجدد مرة أخرى حكاية الفلسطيني السوري مع اللجوء وعدم الاستقرار، وكأن التاريخ يعيد دفعه من جغرافيا إلى أخرى دون أن يمنحه فرصة حقيقية للثبات.
لجوء مركّب وهشاشة قانونية
يعيش الفلسطيني السوري حالة قانونية معقدة تجعل وضعه أكثر هشاشة من غيره عند النزوح أو الهجرة. فهو لا يحمل الجنسية السورية، بل وثائق خاصة باللاجئين الفلسطينيين في سوريا. إدارياً، يخضع هؤلاء لإشراف الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب بالتعاون مع وكالة “الأونروا”، ويُمنحون بطاقة إقامة مؤقتة تُعد بمثابة هوية رسمية داخل البلاد.
كما يمكنهم استصدار “وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين” بدلاً من جواز السفر، لكنها تبقى محدودة الصلاحيات من حيث الدول التي تسمح لحاملها بالدخول. ورغم أن الفلسطينيين في سوريا كانوا يتمتعون تاريخياً بحقوق اجتماعية واقتصادية قريبة من حقوق السوريين، إلا أن هذا الوضع القانوني الخاص يجعلهم أكثر هشاشة عند النزوح إلى دول أخرى، حيث لا يُعاملون كلاجئين سوريين، ولا كفلسطينيين يحملون جنسيات معترفاً بها.
بهذا المعنى، يعيش الفلسطيني السوري حالة “لجوء مركّب”: لاجئ فلسطيني في سوريا، ولاجئ سوري في لبنان، ثم عائد قسراً إلى بلد لم يستقر بعد.
عودة بين الحرب والأنقاض
على مدى سنوات، عاش كثير من الفلسطينيين السوريين في لبنان وهم يعتقدون أنهم وجدوا شكلاً من أشكال الاستقرار المؤقت بعيداً عن الحرب في سوريا. غير أن التصعيد العسكري الأخير كشف هشاشة هذا الاستقرار.
فمع اشتداد الغارات واضطرار 700 ألف شخص من النزوح داخلياً، وجد الفلسطيني السوري نفسه في ذيل قائمة الأولويات الإغاثية، خصوصاً مع تراجع خدمات الأونروا ومساعداتها المالية. كما رفضت بعض البلديات استقبال فلسطينيين وسوريين في مراكز الإيواء، بحجة إعطاء الأولوية للمواطنين اللبنانيين.
في هذا السياق الطارد، بدت العودة إلى سوريا – على قسوتها – خياراً أخف وطأة من التشرد في الشوارع أو المبيت في العراء.
ما حدث مع كثير من العائدين يقترب مما تسميه المواثيق الدولية “الإعادة القسرية غير المباشرة”. فالقانون الدولي يشترط أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة، وأن تصدر عن قرار حر غير مرتبط بالخوف أو الإكراه.
لكن في الحالة الراهنة، لم تكن هذه الشروط متوفرة بالكامل. فحتى طريق العودة نفسه لم يكن آمناً. فالقصف المتكرر على المناطق الحدودية بين سوريا ولبنان جعل بعض المعابر، مثل المصنع والدبوسية، مناطق خطرة في فترات معينة، ما دفع بعض العائدين إلى سلوك طرق بديلة عبر الجبال أو الحقول.
يقول العم أبو ثائر (50 عاماً)، الذي عاد من لبنان بعد ثلاثة عشر عاماً من النزوح ليستقر في مخيم اليرموك داخل منزل شقيقه، إن مستوى الخدمات في مناطق العودة “دون الصفر”.
ويضيف:
“عدّ على أصابيعك… مخيم اليرموك كلو أنقاض، الإعمار بطيء، ما في كهربا، مياه الشرب بالمصاري، والأسعار عم تحلّق، والأنروا شلّت إيدها شوي شوي وعم تنسحب من كل الموضوع”.
ومع ذلك، يرى أبو ثائر جانباً إيجابياً في عودته، قائلاً:
“على الأقل هون بنام شوي مرتاح من دون ما ينَئزني طلب إخلاء، أو غارة اغتيال تضرب من دون إنذار”.
بين البقاء والرحيل
لم تكن العودة خياراً مطروحاً لدى الجميع قبل اندلاع الحرب. مثال على ذلك مهند (45 عاماً)، وهو مدرب مسرحي وأب لأربع بنات من فلسطينيي سوريا. كان مهند يقيم في منطقة ركن الدين في دمشق قبل أن يضطر للنزوح إلى لبنان عام 2013 بسبب مخاطر الاعتقال.
خلال سنوات وجوده في لبنان، حاول تأمين فرصة عمل في الإمارات مع مجموعة مسرحية كانت ستوفر له دخلاً مستقراً. وبعد سنوات من الانتظار وإنفاق المال لترتيب إجراءات السفر، كان من المقرر أن يغادر في الشهر الثالث من هذا العام. لكن الحرب اندلعت قبل ذلك، وتعذّر السفر، ولم يبق أمامه سوى خيارين: افتراش الشارع في لبنان أو العودة إلى سوريا. عاد مفلساً ليستقر في منزل متضرر على أطراف بلدة يلدا في ريف دمشق.
قبل هذه العودة، كان الفلسطيني السوري في لبنان يعيش تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية وقانونية كبيرة. كثيرون كانوا يعتمدون على المساعدات الدولية، ويواجهون صعوبات في العمل والإقامة.
تقول آمال، وهي أرملة في الأربعين من عمرها وأم لثلاثة أبناء من مخيم خان الشيح، عادت مؤخراً من صيدا في لبنان:
“لم تكن عيشتنا مريحة هناك. كنا نعتمد على المساعدات التي توقفت الآن، ونتحمل ضغط المواقف العنصرية في الأماكن العامة والمؤسسات الرسمية، من موقف السيارات إلى مبنى الأمن العام عندما نحاول تجديد الإقامات”.
وتضيف:
“لكن ثمة شيء ما في لبنان يشدّك إليه… ربما لأنه قريب من فلسطين، أو لأن له علاقة بذاكرة الفلسطينيين. قد أعود إليه إذا توقفت الحرب وعشنا بسلام”.
يعتقد بعض العائدين أن العودة الحالية ليست نهاية الطريق، بل محطة مؤقتة قد تتبعها موجة هجرة جديدة عبر البحر.
يقول جبران علي، وهو صحافي فلسطيني من مخيم حندرات عاد إلى سوريا مؤخراً بعد سنوات قضاها في لبنان:
“ورثنا عدم الاستقرار عن أجدادنا. يئست من دوامة العنف والفقر والقمع التي تعيشها منطقتنا”.
ويضيف بحسرة:
“أصبحت أقرف من تنفس هذا الهواء الذي يتنفسه غيري ممن يقتل ويدمر. لا أريد العيش معهم في المكان نفسه… ربما في كوكب آخر”.
بالنسبة للفلسطيني السوري، لا تبدو العودة الحالية نهاية لرحلة اللجوء، بل انتقالاً من حالة هشاشة إلى أخرى. فبعد أن كان لاجئاً فلسطينياً في سوريا، ثم لاجئاً سورياً في لبنان، يجد نفسه اليوم عائداً إلى بلد لم يستقر بعد.
وهكذا لا تبدو العودة سوى محطة جديدة في مسار طويل من التنقل القسري، حيث يبقى الأفق مفتوحاً على احتمال نزوح آخر، أو حرب جديدة، أو موجة هجرة جديدة عبر البحر.

