يعكس التعليم في مخيمات فلسطينيّي سوريا التحولات العميقة التي يمر بها المجتمع بعد سقوط نظام الأسد. المدرسة لا تقدم منهجاً فقط، بل تؤدي وظيفة حماية اجتماعية: تقلّص التسرب، تحدّ من عمل الأطفال، وتعيد تشكيل إيقاع اليوم داخل أسرة خرجت من الحرب بخسائر اقتصادية ونفسية. وفي مرحلة انتقال سياسي، تصبح المدرسة إحدى أدوات استعادة الثقة بالدولة وبالمستقبل، لأنها تمثل خدمة عامة منتظمة في بيئة اعتادت الانقطاع والاضطراب.

الأونروا تقدم قاعدة بيانات مهمة لفهم حجم الملف. في العام الدراسي 2021/2022، قدمت الأونروا التعليم الأساسي للصفوف 1–9 عبر 102 مدرسة لنحو 50,001 طالب وطالبة في سوريا.  هذا الانتشار يشمل جغرافيا واسعة تمتد عبر دمشق وريف دمشق وحلب وحماة وحمص واللاذقية ودرعا، ما يعني أن أي تغيير في التمويل أو في قدرة البنية التحتية ينعكس فوراً على عشرات الآلاف من الأسر.

عودة السكان إلى اليرموك تضيف طبقة جديدة من الضغط. الأونروا تشير إلى وصول سكان اليرموك إلى 15,300 شخص بحلول فبراير 2025، مع استعادة تدريجية لخدمات وبنى أساسية.  هذه العودة ترفع الطلب على المقاعد المدرسية، وعلى النقل، وعلى مواد تعليمية، وعلى برامج دعم نفسي واجتماعي لطلاب عاشوا تجربة تهجير طويلة. كما ترفع الحاجة إلى ترميم مرافق مدرسية وشبكات ماء وصرف صحي داخل المدارس، لأن المدرسة تعمل ضمن سلسلة خدمات لا تعمل بمعزل عنها.

التمويل يمثل القيد الأكبر في هذا المشهد. EUAA يشير إلى اعتماد واسع على المساعدة النقدية الطارئة من الأونروا لتغطية الاحتياجات الأساسية، وأن القيود التمويلية تضغط على قدرة الأسر والوكالة على تلبية احتياجات المأوى والمواد غير الغذائية.  هذا ينعكس تعليمياً في ثلاث صور: كلفة النقل والقرطاسية تصبح عبئاً يومياً، قدرة الأسرة على تغذية الطفل تقل، وقرار الأسرة قد يتجه نحو تشغيل المراهقين بدلاً من استمرارهم في التعليم إذا اشتدت الأزمة.

ويأتي تدمير المخيمات ليزيد الفجوة. الأونروا تشير إلى دمار واسع طال مخيمات عين التل واليرموك ودرعا.  هذه المخيمات كانت تشكل كتلة سكانية كبيرة قبل الحرب، وبالتالي فإن إعادة فتح مدارسها واستعادة طاقتها الاستيعابية يرتبط بمسار الإعمار نفسه. المدرسة هنا تتحول إلى مؤشر إعادة إعمار: فتح مدرسة يعني أن الطريق صار سالكاً، وأن الماء متاح، وأن كهرباء الحد الأدنى تعمل، وأن العيادة قادرة على استقبال حالات طارئة.

في المقابل، يتشكل تحدٍ من نوع آخر في المخيمات الأقل تضرراً أو الأكثر اكتظاظاً، مثل النيّرب في حلب. الكثافة السكانية ترفع الضغط على الصفوف، وتخلق بيئة تنافسية على الخدمات التعليمية. في مثل هذه البيئات، ترتفع أهمية برامج تقوية، وإدارة مدرسية تشاركية، وآليات متابعة للتسرب، لأن كثافة الفقر تخلق ظروفاً تدفع الطالب إلى الانقطاع. هنا يبرز التعليم بوصفه سياسة اجتماعية، لا مجرد خدمة.

المرحلة الانتقالية تحمل أيضاً فرصة لإعادة تصميم المسار التعليمي بحيث يخدم الاقتصاد المحلي للمخيمات. إعادة الإعمار تخلق طلباً على مهارات مهنية: كهرباء، تمديدات، صيانة، نجارة، أعمال بناء، ومهن خدمية. التعليم الذي يدمج مسارات تدريب مهني مبكر، أو برامج “مهارات للحياة”، يمكنه تحويل المدرسة إلى جسر بين التعلم وسوق العمل. هذا الاتجاه يخدم المجتمع لأن الدخل يزيد قدرة الأسرة على الاستمرار في التعليم ويقلل الاعتماد على المساعدة النقدية.

الحوكمة المحلية تلعب دوراً مكملاً. ورقة مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي رصدت تشكل لجان حماية وإدارة في المخيمات خلال بدايات المرحلة الجديدة تقدم إطاراً يمكن أن يمتد إلى التعليم: لجان محلية تتابع أعطال المدارس، تنسق مع الأونروا والبلدية، وتشارك في تحديد أولويات الترميم.  وعندما تكون الحوكمة شفافة، يصبح المجتمع قادراً على مراقبة التوزيع العادل للموارد التعليمية، سواء في إصلاح المدارس أو في توزيع مواد تعليمية أو في دعم الطلاب الأكثر هشاشة.

البعد الإقليمي يظل حاضراً أيضاً. الأونروا في لبنان وثقت وجود عشرات الآلاف من لاجئي فلسطين القادمين من سوريا ضمن موجات نزوح، مع تغيّر الأعداد بفعل انتقال أو عودة.  هذا يخلق واقعاً تعليمياً عابراً للحدود: طالب ينتقل بين بلدين يحتاج معادلة شهادات، واستمرارية في المناهج، وإجراءات تسجيل. كلما تحسن التعليم داخل سوريا واستقر، تراجعت الحاجة إلى انتقال متكرر يضاعف الفاقد التعليمي.

في المحصلة، التعليم في مخيمات فلسطينيّي سوريا بعد سقوط الأسد يقف على ثلاث ركائز: تمويل مستقر، تشغيل خدمات في المدارس، وبرامج تعويض فاقد تربوي مرتبطة بالتدريب المهني. الأونروا تقدم بيانات انتشار المدارس وعدد الطلاب،  وEUAA يوضح هشاشة الوضع الاقتصادي واعتماد الأسر على الدعم،  وبيانات اليرموك تقدم مؤشراً لسرعة الضغط الناتج عن العودة.  عندما تتكامل هذه العناصر، تتحول المدرسة إلى محرك استقرار، وتصبح جزءاً من إعادة بناء المجتمع لا مجرد مؤسسة تعليم.