تعود حقوق الملكية في المخيمات الفلسطينية بسوريا إلى واجهة النقاش بعد سقوط نظام الأسد لأن “العودة” ترتبط فعلياً بحق السكن وإمكان ترميم البيت وإعادة تشغيل الحياة. البيت هنا ليس عقاراً فقط، بل قاعدة الاقتصاد اليومي: عنوان مدرسة، وصول إلى خدمات صحية، قدرة على فتح متجر صغير، وإمكان بناء شبكة اجتماعية تستعيد التوازن بعد سنوات التهجير. لذلك يصبح ملف الملكية والوثائق أحد أكثر الملفات حساسية في سوريا الجديدة، لأنه يقيس مدى شمول الحوكمة وقدرتها على الاعتراف بمجتمع عاش تاريخياً ضمن وضع قانوني خاص.

اليرموك يعكس هذا التداخل بصورة واضحة. تقدير EUAA المستند إلى تقييم أممي بين أبريل ويونيو 2024 يشير إلى أن 72% من بيوت المخيم احتاجت إصلاحاً كبيراً.  في بيئة بهذا المستوى من الضرر، يصبح أي ترميم متوقفاً على معاملة رسمية: إثبات حق سكن، موافقات إصلاح، توكيلات لأقارب، وربما تسويات ورثة بعد سنوات من النزوح. وحين تترافق العودة مع ضعف القدرة الاقتصادية لدى الأسر، تتضخم قيمة الوثيقة: الأسرة تحتاج أن تنجز معاملتها بسرعة وبأقل كلفة ممكنة، لأن تأخير الورق يترجم إلى أشهر إضافية في إيجار مرتفع خارج المخيم أو في سكن هش داخل المخيم.

الأونروا تشير إلى أن سكان اليرموك وصلوا إلى 15,300 شخص بحلول فبراير 2025 مع استعادة تدريجية لخدمات أساسية.  هذا يعني أن سوق الترميم والسكن يتحرك بالتوازي مع موجة العودة. في مثل هذه الحالات، يتشكل “سوق سكن” سريع: إيجارات مؤقتة، صفقات بيع غير مكتملة، اتفاقات انتفاع شفوية، وتتحول النزاعات إلى احتمال مرتفع إذا لم تتوفر آليات توثيق مرنة ونافذة قانونية قريبة من الناس.

وهنا يبرز سؤال “الصفة القانونية” للفلسطيني في سوريا الجديدة. ورقة مؤسسة الدراسات الفلسطينية حول وضع فلسطينيي سوريا بعد التحول السياسي تتناول البيئة المؤسسية ووجود لجان محلية وأدوار للأطر الرسمية، وتضع ضمنياً سؤال العلاقة بين الدولة والمخيم بوصفه علاقة خدمات وحقوق.  أما تقرير Ceasefire Centre فيضع الملف بصيغة حقوقية مباشرة: استقرار الفلسطينيين في سوريا يحتاج ضمان الوصول إلى الوثائق، وحماية قانونية، وإمكانية استرداد الملكية والسكن، وأن طريقة تعامل الدولة الجديدة مع هذا المجتمع تقدم مؤشراً على نهج الحكم الشامل.

في المخيمات الأخرى يتغير شكل المشكلة، بينما يبقى جوهرها ثابتاً. في عين التل قرب حلب، الأونروا تشير إلى دمار واسع ضمن قائمة مخيمات متضررة بشدة.  هذا يخلق نزاعات مرتبطة بإزالة الركام وتغير معالم الحارات والحدود. وفي درعا جنوباً، يتقدم ملف السكن في بيئة تتداخل فيها الخدمات مع واقع محلي شديد الحساسية، ما يجعل أي نزاع ملكية سبباً لاضطراب اجتماعي أكبر. وفي مخيمات مكتظة مثل النيّرب بحلب، ترتبط الملكية أيضاً بكثافة السكان وضغط الطلب على السكن، ما يرفع احتمال النزاعات حول الإيجار والانتفاع والتوسعة العشوائية.

ملف الملكية يتصل كذلك بحركة الفلسطينيين عبر الحدود. الأونروا في لبنان وثقت وجود عشرات الآلاف من لاجئي فلسطين القادمين من سوريا ضمن موجات نزوح، مع تغيرات في الأعداد بفعل انتقال إلى دول ثالثة أو العودة إلى سوريا.  هذا يعني أن إدارة الملكية كثيراً ما تتم من الخارج: وكالة بيع أو إصلاح، تفويض لإدارة ممتلكات، متابعة ورثة. كلما كانت إجراءات التفويض أكثر وضوحاً ويسراً، ارتفعت قدرة الأسر على استثمار في ترميم البيت والعودة. وكلما صارت الإجراءات أبطأ وأكثر كلفة، اتسعت احتمالات ضياع الحقوق أو دخول وسيط غير رسمي يقتطع من حق الناس.

على مستوى السياسة العامة، يظهر مسار عملي يمكن أن يخفف النزاع ويعزز الاستقرار. أولاً، إنشاء مراكز مساعدة قانونية داخل المخيمات الكبرى (اليرموك، عين التل، درعا، النيّرب) بالشراكة بين البلديات والأونروا ومؤسسات قانونية مستقلة، بحيث يحصل السكان على خدمة توثيق وإرشاد دون كلفة عالية. ثانياً، اعتماد مسارات إثبات مرنة تناسب فقدان الوثائق: شهادات جيران، سجلات مدارس، بيانات الأونروا، وربطها بالسجل الرسمي. ثالثاً، وضع آلية اعتراض شفافة لأي إجراءات تنظيم عمراني أو إزالة هدم في مناطق الدمار الشديد، حتى لا يتحول التنظيم إلى إقصاء غير مباشر.

توصيات Ceasefire Centre حول حماية الحقوق والوثائق تمنح هذه المقاربة سنداً معيارياً: الوثيقة والملكية ليستا ملفات تقنية بل أدوات استقرار وبناء ثقة.  وعندما يضاف إلى ذلك ما يقدمه EUAA من صورة احتياج اقتصادي واعتماد على مساعدات، يصبح واضحاً أن أي تعقيد قانوني إضافي يضاعف هشاشة العودة.

في النهاية، الملكية والسكن في المخيمات الفلسطينية بعد سقوط الأسد يحددان ما إذا كانت العودة طريقاً إلى الاستقرار أم مجرد حركة سكانية مؤقتة. الوثيقة هنا تصنع الفرق: وثيقة تثبت حقاً، تفتح باب مدرسة، تتيح ترميم بيت، وتمنح شعوراً بأن الدولة الجديدة تعترف بالناس بوصفهم جزءاً من المجتمع لا ملفاً مؤجلاً. وعندما تُصاغ سياسات ملكية عادلة ومرنة، يصبح الإعمار أكثر كفاءة، وتصبح العودة أوسع، وتبدأ المخيمات باستعادة دورها كأحياء حضرية لها اقتصادها وشبكاتها ومؤسساتها.