تبدو إعادة الإعمار في مخيمات فلسطينيّي سوريا، بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، ملفًا اقتصاديًا–سياسيًا يتقدّم على سواه من الملفات، لارتباطه المباشر بشروط الحياة اليومية. فالمشهد في المخيمات يعيد طرح سؤال بسيط في صيغته، عميق في دلالته: ما الذي يدفع عائلة إلى العودة فعليًا والاستقرار، في بيئة شهدت حربًا طويلة ودمارًا واسعًا وتحولًا سياسيًا حاسمًا؟
ترتبط الإجابة، في المقام الأول، بتوافر الخدمات الأساسية، والقدرة على ترميم السكن، ووجود إدارة محلية قادرة على التنسيق مع البلديات والجهات الداعمة، أكثر مما ترتبط بإعلانات مشاريع إسكانية كبرى أو خطط إعادة إعمار شاملة لم تبدأ بعد.
يقدّم مخيم اليرموك نموذجًا عمليًا لفهم هذا الواقع. إذ تشير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى ارتفاع عدد المقيمين فيه إلى نحو 15,300 شخص، أي قرابة 4,500 أسرة، حتى شباط/فبراير 2025، يشكّل لاجئو فلسطين نحو 80% منهم. وتعكس هذه الأرقام حجم الطلب الفوري على المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق والمدارس والعيادات. وبهذا المعنى، تتحول إعادة الإعمار في مرحلتها الأولى إلى إدارة تشغيلية للبنية التحتية، قبل أن تكون ورشة بناء واسعة.
وتضيء التقديرات الدولية حجم الضرر القائم. فقد أشار تقييم أوروبي، استنادًا إلى تقدير أممي أُنجز بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 2024، إلى أن نحو 72% من بيوت اليرموك تحتاج إلى إصلاح كبير. ولا يعكس هذا الرقم حجم الدمار فحسب، بل كلفة العودة أيضًا: تمويل للترميم، وخدمات عاملة تمنح الترميم جدواه، وإطار قانوني يتيح إثبات حق السكن وإنجاز المعاملات، فضلًا عن سوق محلية قادرة لاحقًا على توليد دخل يغطّي نفقات الحياة.
في هذه المرحلة، يتشكّل اقتصاد خاص بالمخيمات يقوم على حلقات مترابطة. الأولى هي اقتصاد الترميم الجزئي، القائم على إصلاحات سريعة تجعل السكن قابلًا للاستخدام ولو مؤقتًا. الثانية هي اقتصاد الخدمات البديلة، مثل مولدات الكهرباء وصهاريج المياه والحلول المؤقتة للصرف الصحي، وهي تخفف الأزمة لكنها ترفع كلفة المعيشة. أما الحلقة الثالثة فهي عودة السوق اليومية: المتاجر الصغيرة، المخابز، الصيدليات، والنقل، حيث يبدأ الاستقرار بالتحوّل إلى شبكة اجتماعية واقتصادية في آن واحد.
غير أن هذا المسار يبقى شديد الارتباط بتمويل المساعدات. وتشير التقديرات إلى اعتماد واسع على المساعدة النقدية التي تقدّمها أونروا لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل قيود مالية تحدّ من القدرة على دعم إصلاح المساكن وتوفير المواد غير الغذائية. وعندما يشكّل الدعم النقدي عنصرًا رئيسيًا في ميزانية الأسرة، يصبح استقرار العودة هشًا أمام أي تراجع في التمويل أو اضطراب في سلاسل الإمداد.
ويزداد المشهد تعقيدًا بفعل التفاوت بين المخيمات. فمخيمات اليرموك وعين التل ودرعا، التي كانت تضم قبل الحرب نحو ثلث لاجئي فلسطين في سوريا، تعرّضت لدمار واسع، لكن أولويات الإعمار تختلف بينها. اليرموك يرتبط باقتصاد العاصمة وشبكاتها الخدمية، ما يجعل إزالة الركام وإعادة تشغيل البنى الأساسية شرطًا لإحياء السوق. عين التل يتأثر بديناميات مدينة حلب، حيث يصبح ربط المخيم بشبكات النقل والخدمات العامة أولوية. أما درعا، فيتقدّم فيها ملف البنى الأساسية مقرونًا بضمانات أمنية وخدمية تحدّ من دوافع النزوح المتكرر.
في هذا السياق، تبرز الحوكمة المحلية كعامل حاسم. وتشير ورقة لمؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى تشكّل لجان حماية وإدارة في عدد من المخيمات مع تراجع الدور الشرطي في بدايات المرحلة الجديدة، إلى جانب مبادرات تضامن محلية. ويمكن لمثل هذه اللجان، إذا نُظّمت ضمن أطر مدنية واضحة، أن تحوّل الإعمار من جهود متفرقة إلى خطط محلية: توثيق الأضرار، ترتيب أولويات الأحياء، مراقبة توزيع المساعدات، والتنسيق مع البلديات وأونروا. وعندما تُدار هذه الأطر بشفافية، يزداد احتمال توجيه الموارد نحو الاحتياجات الفعلية بدل مشاريع محدودة الأثر.
ويؤثر السياق السياسي العام بعد سقوط النظام في نمط التمويل وطبيعة الشراكات. إذ تشير تقارير إعلامية دولية إلى توجه نحو تقييد أدوار مجموعات فلسطينية مسلحة ودفعها باتجاه أنشطة اجتماعية وخيرية، ما يعزّز دور القنوات المؤسسية، ويزيد في الوقت نفسه من متطلبات التسجيل والرقابة، بما يحمله ذلك من فرص للشفافية وأعباء إدارية إضافية.
خلاصة هذا الملف أن الإعمار الناجح في المخيمات يبدأ من الأساسيات: الماء والكهرباء والصرف الصحي والطرق والمدرسة والعيادة، ثم ينتقل إلى السكن، ويترسّخ لاحقًا عبر سوق محلية قادرة على توليد الدخل والاستقرار. فعودة اليرموك، كما توثّقها أونروا وتقديرات حجم الضرر، ترسم معادلة واضحة: عودة متسارعة فوق بنية متضررة بشدة. وضمن هذه المعادلة، تصبح إعادة الإعمار اختبارًا مبكرًا لنهج المرحلة الجديدة في توزيع الموارد بعدالة، وإشراك المجتمع المحلي، وحماية حقوق السكن والوثائق، بحيث تتحول العودة إلى استقرار فعلي لا إلى محطة عبور جديدة.

