يتحوّل ملف الوثائق لفلسطينيّي سوريا بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 إلى ملف سيادة وحقوق في آن واحد، إذ تحدد الوثيقة قدرة الفرد على الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، والسكن، والملكية، وحرية التنقّل داخل البلاد وخارجها. وبهذا المعنى، لا تقتصر الوثيقة على كونها إجراءً إداريًا، بل تشكّل شرطًا ناظمًا للحياة اليومية وإعادة الاندماج. وتضع مؤسسة الدراسات الفلسطينية أساسًا تاريخيًا لهذا الملف، من خلال التذكير بقانون عام 1956 الذي منح الفلسطينيين معظم الحقوق المدنية، باستثناء الحقوق السياسية، ما أسّس لمسار اندماج واسع داخل المجتمع السوري.

غير أن الواقع الوثائقي اليوم يتّسم بعدم التجانس. فثمة أسر تمتلك وثائق سفر خاصة باللاجئين، وأخرى تعتمد على تسجيلات لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، فيما فقدت أسر ثالثة جزءًا من وثائقها بفعل النزوح وتضرّر السجلات. ويترجم هذا التعدد إلى تفاوت فعلي في فرص العمل والتملّك والوصول إلى الخدمات، كما يحدّ من القدرة القانونية على إدارة الأملاك في حالات التهجير، حيث تتطلب الوكالات القانونية إثباتات وهوية واضحة لإنجاز المعاملات.

ويتصل ملف الوثائق مباشرة بإعادة الإعمار والملكية. إذ تشير التقديرات الدولية إلى احتياجات واسعة في مجال المأوى والترميم، وإلى اعتماد كبير على المساعدات النقدية الطارئة. وقد أفرز هذا الواقع حركة ترميم تدريجية في مخيمات مثل اليرموك وخان الشيخ وعين التل ودرعا. وفي كل معاملة ترميم، تصبح الوثيقة شرطًا لإثبات الصفة القانونية، وتتحول هذه الصفة إلى عامل يسهّل الإجراءات أو يعطّلها، بما يسرّع أو يبطئ العودة والاستقرار.

ويبرز مخيم اليرموك مثالًا واضحًا على الحاجة إلى مواكبة وثائقية سريعة. إذ تشير أونروا إلى عودة متزايدة وارتفاع عدد المقيمين إلى نحو 15,300 شخص حتى شباط 2025. وتفرض هذه العودة ضغطًا مباشرًا على المدارس والعيادات، ما يضاعف معاملات تسجيل الطلاب وتحديث الملفات الصحية. في هذا السياق، تتحول الوثيقة إلى أداة تنظيم يومي، ترتبط بالانتظام المدرسي، والوصول إلى الرعاية الصحية، والاستفادة من الدعم النقدي الذي يعتمد غالبًا على بيانات تسجيل دقيقة ومحدّثة.

كما تتصل الوثائق بالحماية الاجتماعية. فخطط الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي للفترة 2024–2025 تضع أطرًا للإحالات الصحية والقانونية، وتعتمد هذه الخدمات على قدرة المستفيدة على تقديم بيانات تعريفية ضمن إجراءات تراعي السرية. ويؤدي توافر وثائق منظمة إلى تسهيل الوصول إلى هذه الخدمات، بينما يفضي فقدانها إلى مسارات أطول وأكثر تعقيدًا. ويبرز هنا دور مكاتب الخدمة المجتمعية داخل المخيمات، التي تقدّم الإرشاد والتوثيق وتنسّق مع أونروا والجهات الرسمية.

ويمتد البعد الإقليمي ليزيد تعقيد هذا الملف. إذ تتعامل خطط الاستجابة مع فلسطينيّي سوريا ولبنان والأردن ضمن مساحة احتياج مترابطة، تشمل حماية البقاء والكرامة. وينعكس ذلك في انتقال الوثائق عبر الحدود، من بطاقات تسجيل وأذونات إقامة إلى وثائق سفر وتوكيلات لإدارة أملاك داخل سوريا. ويؤدي اختلاف الأنظمة القانونية بين الدول إلى تعقيد حياة الأسر، فيما يسهم تيسير خدمات التوثيق داخل سوريا في الحد من الاعتماد على وسطاء غير رسميين وتقليص كلف المخاطر القانونية.

ويرتبط ملف الوثائق بالتمثيل المحلي والحوكمة المجتمعية. إذ تشير مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى تشكّل لجان محلية في عدد من المخيمات مع بدايات المرحلة الجديدة. ويمكن لتطوّر هذه اللجان أن يفتح المجال أمام إنشاء وحدات توثيق مجتمعية، تساعد السكان على جمع الإثباتات، وتقديم الطلبات، ومتابعة المعاملات. ويسهم هذا المسار في خفض النزاعات حول الملكية والإرث، وتسهيل تسجيل الأطفال في المدارس، وإدراج الأسر ضمن برامج الدعم النقدي.

وتستدعي المرحلة الانتقالية مقاربة حكومية واضحة للصفة القانونية للفلسطينيين. فترسيخ الحقوق المدنية ضمن إطار قانوني مستقر يدعم سوق العمل، ويحدّ من الهجرة، ويعزّز فرص إعادة الإعمار. كما يخفف ذلك الضغط عن أونروا، إذ يقل اعتماد الأسر التي تمتلك دخلًا ثابتًا على المساعدات الطارئة.

في المحصلة، تقود الوثيقة مسارات التعليم والعمل والملكية والحماية، وتحدّد قدرة الأسرة على تحويل العودة إلى استقرار فعلي. ويعزّز هذا الفهم ما تطرحه مؤسسة الدراسات الفلسطينية من خلفية قانونية واجتماعية، وما تعكسه خطط أونروا من ربطٍ وثيق بين التوثيق والخدمات والحماية في المرحلة المقبلة.