تدخل خدمات الصحة والمياه والصرف الصحي في مخيمات فلسطينيّي سوريا مرحلة اختبار حاسم بعد سقوط نظام الأسد، إذ تربط عودة السكان قرار الإقامة بتوافر عيادة عاملة، وشبكة مياه مستقرة، وبيئة مدرسية صالحة. وبهذا المعنى، لا تُقاس العودة بعدد العائدين فحسب، بل بقدرة الخدمات الأساسية على تحمّل ضغط السكان وتحويل الإقامة إلى استقرار. وتضع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين هذا الإطار بوضوح في نداءها الطارئ لعام 2025، من خلال طلب تمويل يشمل المساعدة النقدية متعددة الأغراض، والتعليم، والصحة، وإصلاحات المأوى، وتدخلات الحماية.
وتتجسّد هذه المعادلة صحيًا في مخيم اليرموك، الذي يشهد ارتفاعًا متواصلًا في عدد المقيمين. إذ تشير الأونروا إلى وصول عدد السكان إلى نحو 15,300 شخص حتى شباط 2025، بالتوازي مع استعادة تدريجية لبعض الخدمات والبنى الأساسية. ويرفع هذا النمو السكاني ضغطًا مباشرًا على شبكات المياه والصرف الصحي داخل مساكن تعرّضت لتضرر واسع، ويزيد الحاجة إلى عيادات رعاية أولية قادرة على متابعة الأمراض المزمنة، والتعامل مع إصابات وإعاقات خلّفتها سنوات الحرب.
وترتبط صورة الاحتياج بطبيعة الاعتماد على الدعم. إذ توضّح تقارير أوروبية اعتماد معظم لاجئي فلسطين في سوريا على المساعدة النقدية الطارئة التي تقدّمها الأونروا لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل قيود تمويلية تحدّ من قدرات الإصلاح وتوسيع الخدمات. ويخلق هذا الاعتماد مسارًا صحيًا هشًا، لأن الأسرة التي تموّل علاج السكري أو ضغط الدم عبر النقد الطارئ تتأثر سريعًا بأي تراجع في حجم الدعم أو انتظامه، ما يهدد استمرارية العلاج والرعاية الوقائية.
وتظهر جغرافيا المخيمات عاملًا محدِّدًا لنوع الاستجابة الصحية. فقد تعرّضت مخيمات اليرموك وعين التل ودرعا لدمار واسع وتهجير طويل عطّل الخدمات لسنوات. ويواجه مخيم عين التل، قرب حلب، تحديات تتصل بإصلاح شبكات المياه والصرف في محيط حضري مكتظ وخدمات متقلّبة. ويواجه مخيم درعا تحديات ترتبط ببنية الجنوب وكلفة الوصول إلى مرافق صحية قريبة. أما اليرموك، فيواجه تحديات كثافة سكانية وعودة سريعة داخل العاصمة، ما يرفع الطلب على شبكات قابلة للاستخدام اليومي المستقر.
وتتقدّم المياه والصرف الصحي بوصفهما عنصر وقاية قبل العلاج. فشبكات المياه الآمنة والصرف السليم تخفف انتشار الإسهالات والتهابات الجلد ومخاطر تلوث المياه، وتشكل خط الدفاع الأول للصحة العامة داخل المخيمات. وتعمل المدارس مؤشرًا مضاعفًا في هذا السياق، إذ إن مدرسة تعمل ضمن بيئة صحية تعزّز انتظام الدوام، وتحدّ من الانقطاع، وتخفف عبء الرعاية عن الأسرة. وتوثّق الأونروا تقديم التعليم الأساسي لنحو 50,001 طالب وطالبة عبر 102 مدرسة في سوريا خلال العام الدراسي 2021–2022، ما يوسّع الحاجة إلى مرافق مدرسية صحية في دمشق وريفها، وحلب، ودرعا، واللاذقية، وحمص، وحماة.
وتستدعي العودة استجابة موازية لمخاطر الألغام ومخلّفات الحرب. إذ تربط تقارير حديثة عودة واسعة بعد سقوط النظام بانتشار ذخائر غير منفجرة في مناطق متعددة، ما يرفع العبء على نقاط الإسعاف والعيادات، ويستدعي برامج توعية مجتمعية داخل المخيمات، إلى جانب تجهيز مسارات إحالة إسعافية واضحة من المخيمات إلى المستشفيات القريبة.
وتبرز الصحة النفسية جزءًا لا يتجزأ من الرعاية الأولية. إذ تعكس تقارير إنسانية حديثة اتساع الاحتياجات المرتبطة بالصحة النفسية والحماية والنوع الاجتماعي ضمن الأزمة السورية الممتدة. ويدفع ذلك إلى إدماج دعم نفسي اجتماعي داخل العيادات والمراكز المجتمعية في مخيمات مثل اليرموك والنيّرب ومخيم الرمل في اللاذقية، نظرًا إلى ما تحمله العائلات العائدة من صدمات تهجير وفقدان تؤثر في قدرة الأطفال على التعلم، والبالغين على العمل، واستقرار الحياة الأسرية.
وتفرض البنية التمويلية إطارًا تنفيذيًا للخدمات. إذ يورد نداء الأونروا لعام 2025 طلب تمويل طارئ بقيمة 464 مليون دولار لسوريا ولبنان والأردن، مع تصنيف فلسطينيّي هذه الساحات ضمن الفئات الأشد هشاشة في الإقليم. ويوجّه هذا الإطار جزءًا من الموارد نحو الصحة والدواء والرعاية الأولية، ويعزّز نهجًا يعتمد على النقد متعدد الأغراض لرفع قدرة الأسر على تحديد أولوياتها الصحية، بالتوازي مع الحاجة إلى ضبط أسعار الدواء والخدمات في الأسواق المحيطة بالمخيمات.
وتستفيد الخدمات من شراكات محلية ناشئة. إذ تشير دراسات فلسطينية إلى تشكّل لجان حماية وإدارة في بعض المخيمات مع بدايات المرحلة الجديدة، تضطلع بتنسيق شؤون يومية. ويسهم هذا التوجّه في دعم إدارة الخدمات الصحية عبر لجان تتابع أعطال الشبكات، وتنسّق مع البلديات، وتسهّل عمل الفرق الطبية، وتحدّد نقاط الازدحام والاحتياج داخل المخيم.
وتتطلّب الاستجابة الصحية خريطة أولويات قابلة للقياس. فتشغيل محطة ضخ مياه يخفف انتشار الأمراض، وفتح عيادة رعاية أولية يقلل كلفة النقل على الأسرة، وتجهيز مدرسة بمرافق صحية يحدّ من التسرب المدرسي. وترفع هذه المؤشرات ثقة السكان بجدوى العودة، وتحوّل المخيم من مساحة انتظار مؤقتة إلى حيّ يعمل ضمن دورة حياة يومية.
في المحصلة، تقود الخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي عودة الناس، وتحدّد استقرارهم، وتربط الإعمار بالوقاية. ويعزّز تمويل الأونروا هذا المسار عبر خطط تشمل الصحة والحماية والتعليم والمأوى، فيما يضع ضغط العودة في اليرموك هذه الخطط أمام اختبار قدرتها على تلبية الاحتياج ضمن بنى متضررة، وتحويل التعافي إلى استقرار قابل للاستمرار.

