يحمل شباب فلسطينيّي سوريا بعد سقوط نظام الأسد أعباءً متراكمة، تبدأ بتعليم تضرّر بفعل نزوح طويل، ولا تنتهي عند سوق عمل يعمل تحت ضغط الفقر وعدم الاستقرار. وتدفع العودة إلى المخيمات هذه التحديات إلى الواجهة، لأنها تجمع في مساحة واحدة المدرسة وورشة الترميم والعيادة ومركز الخدمات. وتشير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، في بطاقة حقائق عن سوريا، إلى عودة 2,308 لاجئين فلسطينيين خلال عام 2024، بين أسر تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية وتعيش ضغطًا اقتصاديًا متواصلًا. وفي ضوء ذلك، يتشكّل سلوك الشباب على نحو مباشر: إذ يدفع الترميم إلى البحث عن عمل سريع، ويقود العمل السريع إلى تفضيل المهن الحرفية على تعليم متقطع، ما يرسّخ بقاء كثيرين في وظائف منخفضة الأجر في ظل غياب دعم مهاري منظّم.

ويرتبط الشباب مباشرة بعودة مخيم اليرموك. إذ يذكر «ملف مخيم اليرموك 2025» وصول عدد المقيمين إلى نحو 15,300 شخص بعد سقوط النظام، مع الإشارة إلى أن 80% من العائدين هم من لاجئي فلسطين. ويخلق هذا الحجم السكاني بيئة تنافسية على فرص العمل الصغيرة، ويضاعف في الوقت نفسه الحاجة إلى بنى تعليمية تعوّض الفاقد الدراسي. ويحمل شباب اليرموك خبرة مدينة قبل عام 2011، إلى جانب خبرة نزوح وتعطّل أسواق، ما يدفع كثيرين إلى تفضيل المرونة والبحث عن دخل سريع بدل مسارات طويلة غير مضمونة.

وتقدّم الوكالة قاعدة تعليمية واسعة داخل سوريا. إذ تشير إلى تقديم التعليم الأساسي عبر 102 مدرسة لنحو 50,001 طالب وطالبة خلال العام الدراسي 2021–2022. ويتيح هذا الانتشار إمكانية بناء مسار يعيد وصل التعليم بسوق العمل، لأن دعم المدرسة يعزّز الاستقرار الأسري، ويحدّ من ضغوط العمل المبكر، ويفتح المجال أمام عودة تدريجية إلى مقاعد التعليم.

ويدفع الفقر المزمن الشباب إلى مسارات عمل متعددة. إذ تشير بيانات الوكالة الأوروبية للجوء إلى أن 89% من لاجئي فلسطين في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، مع اتساع انعدام الأمن الغذائي. ويقود هذا الواقع الشباب نحو أعمال يومية مثل النقل والبيع المتجول وورش البناء والصيانة وخدمات التوصيل. وتُنتج هذه الأعمال مهارات جزئية، غير أن غياب التدريب المهني المنظّم يُبقي المهارة في مستوى محدود، ويقيّد الدخل عند حدود متواضعة.

وتقدّم برامج الوكالة للعائدين مدخلًا عمليًا لمعالجة هذا التحدي. إذ تشير تغطيات عن خدماتها إلى برامج تدريب مهني وأنشطة سبل عيش، إلى جانب دعم نفسي اجتماعي وخدمات حماية وإعادة تأهيل للأشخاص ذوي الإعاقة. ويتيح التدريب المهني ربط الشباب باحتياجات الإعمار والترميم، مثل التمديدات الكهربائية، وأعمال السباكة، وصيانة الأبنية، والنجارة، واللحام، وتركيب الألمنيوم. وعندما تتحول ورش الترميم إلى سوق مهارات، يرتفع الدخل، وتتوسع القدرة على استكمال تعليم أو تدريب إضافي.

وتحمل الصحة النفسية قيمة خاصة لدى الشباب. إذ تدفع صدمات الحرب والتهجير إلى سلوكيات انسحاب أو اندفاع، وتفاقم توترات داخل الأسرة. ويضع تقرير «أصوات من سوريا 2025» سياقًا إنسانيًا يتضمن احتياجات تتصل بالحماية والدعم النفسي والاجتماعي في مرحلة التحول السياسي. ويُسهم إدماج الدعم النفسي داخل المراكز المجتمعية والمؤسسات التعليمية في خفض التوتر الأسري، كما يعزّز قدرة الشباب على الانتظام في عمل أو تعليم.

ويرتبط الشباب أيضًا بحركة العودة من لبنان. إذ يذكر نداء الوكالة لعام 2025 وجود 23,600 فلسطيني من سوريا في لبنان ضمن فئة لاجئي فلسطين القادمين من سوريا، في سياق تهميش اقتصادي واسع. ويخلق ذلك مسارًا دائريًا، إذ يدفع ضغط الإيجار والعمل في لبنان بعض الأسر إلى إرسال شاب لتجربة العودة وترميم بيت، ثم يُفضي نجاح الترميم إلى انتقال الأسرة، ويُنتج الانتقال حاجة الشباب إلى مدرسة أو تدريب مهني داخل سوريا.

وتظهر المخيمات الأخرى بوصفها مساحات تصوغ مسارات متباينة. ففي مخيم النيّرب بحلب، يتجه الشباب نحو أسواق المدينة ومهنها ضمن منافسة عالية على فرص محدودة. وفي مخيم عين التل، تتقدّم أعمال إعادة التأهيل في أطراف حلب ضمن سياق دمار واسع. أما مخيم درعا، فيدفع الشباب نحو سوق محلي أضيق يميل إلى الأعمال الزراعية والخدمات الصغيرة.

ويربط سياق سبل العيش الأوسع هذه المسارات ببعضها. إذ يوضح موجز المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أثر الأزمة الطويلة على فقدان الأصول وفرص العمل وتعطّل مصادر الرزق. ويقود ذلك إلى حاجة واضحة لأدوات تمويل صغيرة مصحوبة بمرافقة تقنية للشباب، وإلى شبكات توجيه مهني داخل المدارس ومراكز التدريب.

في المحصلة، يتحرّك جيل المخيمات في مساحة يضغطها الفقر وتفتحها المهارة: فالفقر يدفع نحو عمل سريع، بينما يتيح التدريب المهني والدعم النفسي مسارًا واقعيًا يرفع قدرة الشباب على بناء مستقبل داخل المخيمات والحواضر السورية.