لكس تاكنبيرغ

تشكّل سوريا بلدًا مضيفًا آمنًا للاجئين الفلسطينيين، الذين استفادوا من معاملةٍ تفضيلية واندمجوا عمومًا بشكل جيّد مع السكان المحليين. يتحدد الوضع لقانوني للفلسطينيين في سوريا بحسب فترة الوصول إلى البلاد؛ فالذين وصلوا بين عامي 1948 و1956 يُعرّفون رسميًا بأنهم “لاجئون فلسطينيون”، ويُسجّلون لدى الجهة الحكومية السورية المخوّلة بتنظيم وجودهم وإدارته، وهي الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب (GAPAR). ويُعدّ التسجيل لدى الهيئة ما يمنح الفلسطينيين في سوريا وضعهم القانوني بموجب القانون 260 الصادر في 10 يوليو 1956، وهو الأداة القانونية الرئيسية التي تمنح الفلسطينيين حقوقًا قانونية وحماية واسعة في البلاد، بما في ذلك معاملتهم معاملة مماثلة تقريبًا للسوريين، مع بعض القيود.

أما الفلسطينيون غير المسجلين في الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين فلم يستفيدوا من الحقوق نفسها. وحتى عام 2014، كانوا يستطيعون الإقامة في البلاد بدون الحصول على تصاريح إقامة رسمية، بالنسبة من يُعدّ منهم من “الرعايا العرب”. لكن منذ صدور القانون رقم 2 لعام 2014 بشأن دخول وخروج وإقامة الأجانب في سوريا، أصبح على الجميع الالتزام بمتطلبات الإقامة المحددة في ذلك القانون.

كان للحرب التي تلت الثورة عام 2011 أثرٌ مدمر على البلاد وسكانها، بمن فيهم اللاجئون الفلسطينيون؛ فمنذ عام 2013 أصبح مخيم اليرموك رمزًا لمأساة الفلسطينيين العالقين في النزاع السوري، بينما تعرّضت مخيمات وتجمعات أخرى للحصار أو صارت مناطق يصعب الوصول إليها، أو دُمّرت كليًا أو جزئيًا، أو أصبحت غير قابلة للوصول بالنسبة للأونروا.

اضطر حوالي 70% من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا إلى مغادرة منازلهم، ليصبحوا إما نازحين داخليًا أو لاجئين خارج البلاد، كما أصبح 95% من الفلسطينيين المتبقّين داخل سوريا يعتمدون كلّيًّا على خدمات الأونروا.

ومنذ عام 2016، بدأ بعض الفلسطينيين النازحين داخليًا بالعودة إلى منازلهم، خصوصًا في حلب ودمشق. ومع سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024 تسارعت وتيرة العودة، سواء للنازحين داخليًا أو للعائدين من الخارج. وحتى الآن يبدو أن الإطار القانوني القائم ما يزال يُطبّق على الفلسطينيين في سوريا، رغم أن تداعيات التغيير السياسي لا تزال تتكشف. ويعرض ما تبقى من هذه المقالة أبرز التطورات والمخاوف التي ظهرت منذ بداية عام 2025:

1. القلق بشأن تغييرات في التسجيل والوثائق

أفادت عدة وسائل إعلام بوجود مخاوف من تغييرات محتملة في تصنيف الفلسطينيين في سوريا من “فلسطيني سوري” إلى “مقيم فلسطيني”. ربما لا يعكس ذلك تغييرًا رسميًا في السياسة، إذ أكّدت السلطات أن الأمر كان “خطأً تقنيًا” وعولج الخطأ. كما أدت التغييرات إلى تصنيف بعض الطلاب الفلسطينيين باعتبارهم “عربًا” أو “أجانب”، ما استدعى مطالبتهم برسوم جامعية أعلى بدل معاملتهم كالسوريين كما كان معمولًا به سابقًا. وأُعيد أعيد العمل بالممارسة القديمة بعد اعتراضات واسعة.

كما لوحظت تغييرات في الوثائق الممنوحة للفلسطينيين، حيث باتت وثيقة السفر للاجئين الفلسطينيين تتضمن تسمية “جواز سفر”، رغم أن سبب ذلك أيضًا غير واضح وربما يكون خطأً. إضافة إلى ذلك، تم تسجيل تطور تقني كبير في وثائق السجل المدني، مثل شهادات الميلاد التي أصبحت تتضمن رموز QR.

2. فقدان الامتيازات المرتبطة بالنظام السابق

بدأ  بعض الفلسطينيين يفقدون امتيازات كانوا يحصلون عليها بفضل منظومة الفصائل الفلسطينية المرتبطة بالنظام القديم (جيش التحرير الفلسطيني، الجبهة الشعبية–القيادة العامة، الصاعقة…)، بينما سُمح لفصائل أخرى بالعمل ضمن حدود سياسية صارمة (فتح، حماس، الجبهة الشعبية، الجهاد الإسلامي، الجبهة الديمقراطية). وتراجع ما كان يُعرف بـ”الكرت الفلسطيني”، وحلّ مكانه التواجد القائم في المخيم الموجّه نحو المجتمع والخدمات، مع ضعف شبكات المحسوبية القديمة وتراجع النفوذ السياسي في ظل غياب حقوق واضحة ومظلة حماية قوية.

3. شائعات حول التجنيس

انتشرت شائعات بأن السلطات الجديدة قد تقوم بتجنيس الفلسطينيين لضمان الولاء أو تلبية مصالح مؤيدة لـ “إسرائيل”، رغم عدم صدور أي إعلان رسمي بهذا الخصوص. ويبدو أن المخاوف (وربما بعض الآمال) لدى الفلسطينيين هي التي تغذي هذه التكهنات، كما يحدث في قضايا أخرى.

4. تسوية جزئية لأوضاع غير المسجلين

وفق تقارير إعلامية، دعت السلطات الجديدة مؤخرًا الفلسطينيين غير المسجلين سابقًا إلى التسجيل لدى هيئة اللاجئين الفلسطينيين والحصول على وثائق رسمية. ورغم أن ذلك تطور إيجابي من حيث المبدأ، إلا أن نطاقه وآثاره العملية لا تزال غير واضحة.

5. الأونروا

تواصل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين عملها في سوريا، وقد مددّت خدماتها للعائدين. وفي بيان أصدرته في أغسطس، أكدت الأونروا أن الأمم المتحدة لا تشجع على العودة إلى سوريا لكنها تحترم القرارات الفردية للفلسطينيين بالعودة متى اختاروا ذلك، وستدعم من “يتخذ قرارًا طوعيًا ومستنيرًا بالعودة إلى سوريا بمبادرة ذاتية”. وأضافت أنه على اللاجئين العائدين التواصل مع الأونروا لتفعيل تسجيلهم أو نقل ملفاتهم من البلد الذي عادوا منه.

أما بشأن المخيمات، فإن السلطات الجديدة تشجع الأونروا ولجان المخيمات المحلية على التنسيق مباشرة مع المحافظات فيما يتعلق بالبنية التحتية (المياه، الصرف الصحي، الطرق، النقل العام)، استمرارًا لسياسة الدولة القديمة بدمج المخيمات في الإدارة المحلية.

الخلاصة:

ما يزال اللاجئون الفلسطينيون في ظل النظام الجديد عديمي الجنسية، مع استمرار تطبيق قانون 260 لعام 1956 الذي ينظّم الوضع القانوني لمعظمهم. وما زالوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على الأونروا في الخدمات الأساسية، وعلى الهيئة العامة للاجئين كواجهة رسمية للدولة.

وبينما لا توجد تقارير عن اضطهاد أو تمييز منهجي ضد الفلسطينيين من قبل السلطات الجديدة، فإن الأخطاء الإدارية، والتجارب غير الواضحة، مع حالة عدم اليقين القانوني، وفي ظل استمرار ضعف حكم القانون، تجعل وضعهم هشًا وقابلًا للتأثر.