نفّذت بلدية مخيم اليرموك، يوم 10 كانون الأول الجاري، حملة إغلاقات، طالت عددًا من المحال التجارية وبعض الأبنية السكنية، حيث جرى ختمها بالشمع الأحمر بحجةٍ شفوية؛ هي عدم وجود التراخيص القانونية اللازمة لعمليات ترميم الأبنية والمنازل المتضررة، أثار تنفيذ هذه الإجراءات بشكل مفاجئ، ومن دون صدور توضيح رسمي حالة من القلق والاحتقان لدى الأهالي.

بين المسوّغ القانوني وغياب الشفافية

من حيث المبدأ، تمتلك البلديات صلاحيات تنظيم أعمال البناء والرقابة على المخالفات في الأسواق، إلّا أن هذه الصلاحيات مشروطة باتباع إجراءات قانونية واضحة، تبدأ بالتبليغ والإنذار الخطي، ومنح مهلة كافية لتصويب الوضع القانوني، ولا تنتهي بالإغلاق كخيار أوّل، إلّا في حالات الخطر الإنشائي المباشر.

كما يميّز الإطار القانوني السوري بين البناء الجديد وأعمال الترميم والصيانة، حيث لا تُعامل أعمال الترميم التي تهدف إلى إعادة تأهيل الأبنية المتضررة، ولا تنطوي على توسّع عمراني أو تغيير في المخطط الإنشائي، بذات الصرامة المطبّقة على مخالفات البناء الجديدة، خاصة عندما تكون الأبنية حاصلة على رخص بناء أصلية سابقة، كما هو حال عدد من الأبنية في المخيم.

وفي هذا السياق، يرى الأهالي أن الإغلاق بالشمع الأحمر كان ينبغي أن يكون إجراءً استثنائياً، لا خطوة أولى، وأن يُدرج ضمن مسار قانوني واضح يتيح تسوية الأوضاع.

موقف الأهالي

وفي بيان موجه إلى بلدية اليرموك، أكّد أهالي وأصحاب محال في المخيم دعمهم لتطبيق القانون وتنظيم البناء وحفظ الحقوق، مطالبين في الوقت ذاته بتوضيح الأسس القانونية للحملة، وعدد الإنذارات المسبقة، وآلية تسوية الأوضاع وإعادة فتح المحال، محذرين من أن استمرار الإغلاقات من دون حلول واضحة سيؤثر سلباً على سبل العيش والحركة الاقتصادية داخل المخيم.

ودعا البيان، بلدية اليرموك، إلى تقديم تسهيلات قانونية تُمكّن أصحاب المحال من تصويب أوضاعهم دون تعطيل أعمالهم، ولا سيما في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يمر بها سكان مخيم اليرموك. كما طالب الكشف عن السياسة المعتمدة مستقبلًا في التعامل مع الأبنية والمحال غير المرخّصة.

تعطيل للإعمار

تُعد أعمال الترميم خطوة أساسية لتمكين العودة التدريجية للسكان واستعادة الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي. غير أن غياب معايير واضحة للموافقات المطلوبة، وعدم الإعلان عن سياسة تنظيمية شفافة، يحوّل الإجراءات التنظيمية من أداة لضبط الإعمار إلى عامل تعطيل فعلي له.

تاريخ سيئ الصيت

في أوقات سابقة، لم تحظَ بلدية مخيم اليرموك بسمعة طبية ولم تنل الاحترام، بسبب فساد بعض رؤسائها السابقين، وفساد أكثر الدوريات التي كانت تجول في الأسواق والشوارع لضبط المخالفات وفرض الغرامات على مرتكبيها، مثل دوريات ”البسطات” التي كانت مشهورة، ودوريات مخالفات البناء. 

كان لهذه الدوريات ”أسعار” يشتري فيها التاجر أو المتعهد، سكوتها، لتمرير المخالفة، فازدحمت الأسواق بـ”البسطات” إلى درجة لم يعد هناك مساحة للمشي، كما تلاصقت الأبنية في حارات المخيم، وضاقت المساحات الخاصة بالناس، وحلّقت أبنية أخرى في السماء، بعضها بشكل مائل، كأن ترى بناء يبدأ مستقيماً وصولاً إلى الطابق الرابع حيث تأخذ الطوابق الأعلى بالميلان، نتيجة ضعف الإنشاء ومخالفة معايير البناء من قبل المتعهدين الذين كانوا يضعون الحد الأدنى من المواد المطلوبة في التعمير.   

في الخلاصة، إن العملية التنظيمية لمخيم اليرموك مسألة ملحة، بيدَ أنها لا تبدأ بإغلاق المحال ”المخالفة”. بل تبدأ أولاً وقبل كل شيء بتقييم الحالة العمرانية والخدمية وإمكانيات البنى التحتية، لمعرفة مدى أهلية المخيم وصلاحية العيش فيه. هذا التقييم جاء من سكان المخيم على شكل مطالب تتعلق بالمياه والكهرباء والنظافة والصرف الصحي، كانوا قد رفعوها إلى البلدية عدة مرات، مطالب تؤمن عودتهم وتعين محاولتهم استئناف الحياة في المخيم، حياة ما زالت في حدها الأدنى. رغم ذلك، تجري بين الفينة والأخرى عمليات تنظيف ورفع للأنقاض بمبادرات أهلية تطوعية، لكن الإمكانات ضعيفة.

الجديرُ بالذكر أنّ بلدية اليرموك كانت قد قدّرت كلفة إعادة إعمار المخيم بنحو 250 مليون دولار، مشيرة إلى أن نسبة الدمار بين كلي وجزئي تصل إلى 80% من منازل ومرافق المخيم الذي كان يقطنه قبل عام 2011، نحو 650 ألف شخص، من بينهم 165 ألف لاجئ فلسطيني، وهم الآن عدة آلاف فقط.