بعد سقوط نظام الأسد، عاد سؤال العودة إلى سوريا ليحتل موقعًا مركزيًا في حياة الفلسطينيين السوريين في دول اللجوء الأوروبية، لا بوصفه خيارًا بسيطًا أو لحظة حسم، بل كمسارٍ معقّد تتداخل فيه الهوية مع القانون، والذاكرة مع الواقع، والرغبة مع القيود اليومية. بين جوازات سفر أوروبية، وإقامات مؤقتة، وعائلات أعادت بناء حياتها في المنفى، يجد كثيرون أنفسهم أمام قرار لا تحكمه المشاعر وحدها، ولا تحسمه الأوراق الرسمية. في هذا السياق، تتكشف العودة كفكرة مفتوحة على التردد، وكاختبارٍ طويل لمعنى الانتماء وحدود الاختيار.

حين لا يحسم جواز السفر سؤال الانتماء

«أنا من أبناء الجيل الثالث من فلسطينييّ سوريا، لكن أول جواز سفر أحمله في حياتي كان ألمانيًا»، يقول سامح صوان (33)، مقيم في مدينة كولن منذ عشر سنوات ويعمل في مجال المحاسبة. لا يشكّل قرار العودة الطوعية والنهائية إلى سوريا عقب سقوط النظام اختبارًا للهوية والانتماء فحسب، بل تتداخل في تحديده اعتبارات حياتية واجتماعية يومية تتجاوز الصفة القانونية والأوراق الرسمية.

«الجنسية السويدية بالنسبة لي مجرد وسيلة لتسهيل السفر لا غير، لكن انتمائي لن يتأثر»، يؤكد خالد طه (65 عامًا)، أب لخمسة أبناء يعيش حاليًا في السويد مع أسرته وبعض أقاربه. ويضيف: «بالطبع أقبل أن أعيش في سوريا مجددًا كلاجئ فلسطيني، لكن في النهاية القرار بيد أبنائي الذين بنوا حياتهم هنا. أريد أن أبقى بجانبهم». يكرر خالد هذه العبارة مرارًا خلال اللقاء.

منذ اندلاع الثورة السورية، هاجر نحو 200 ألف فلسطيني سوري خارج سوريا، منهم أكثر من 150 ألفًا وصلوا إلى أوروبا.«معظم موظفي الحكومة في الدنمارك لا يدركون الفرق بين الفلسطيني والسوري، ولطالما طُرح عليّ سؤال العودة إلى سوريا في المقابلات الرسمية حتى قبل سقوط النظام»، تقول يارا الحاج عمر (36 عامًا). الفرق الجوهري في التعاملات القانونية يكمن في الاعتراف بحمل اللاجئ جنسية الدولة التي جاء منها، بما يضمن حقوق لجوئه وفقًا لاتفاقية جنيف. وعليه، يُصنّف اللاجئ الفلسطيني السوري في معظم دول أوروبا على أنه «عديم الجنسية»، ما يجعل وضعه أكثر تعقيدًا. ورغم اعتراف وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، في نهاية عام 2025، بأحقية الفلسطيني السوري في الحماية الدولية (أي خضوعه للقانون الدولي الإنساني وليس لاتفاقية جنيف للاجئين)، فإن هذا التصنيف يجعله عرضة لتقلبات السياسات الداخلية لكل دولة على حدة.فرغم التحاق يارا بزوجها في الدنمارك منذ عشر سنوات عبر لمّ الشمل، ما تزال تحمل إقامة مؤقتة لعامين فقط. تقول: «القوانين هنا تغيّرت بسرعة. كوني فضّلت الدراسة على العمل عند وصولي إلى الدنمارك أخّر فرصة حصولي على الجنسية».

صعود أحزاب اليمين في أوروبا مؤخرًا ساهم كذلك في جعل قوانين اللجوء أكثر صرامة، ما أثّر في الوضع القانوني لبعض الفلسطينيين السوريين، وأصبح عاملًا رئيسيًا في تحديد قرار العودة لدى البعض.فعلى سبيل المثال، في السويد قد يحصل الفلسطيني السوري أحيانًا على ما يُعرف بـ«الحماية الثانوية» بدل صفة لاجئ كامل، وهو ما يؤثر في حقوق أخرى تتعلق بلمّ الشمل أو الحصول على إقامة دائمة. أما في هولندا، فالوضع مختلف — على الأقل حتى الآن — إذ لا يحتاج الفلسطيني السوري للحصول على الإقامة الدائمة للتقدّم للجنسية، بل يكفي أن يحمل إقامة مؤقتة لمدة ثلاث سنوات ويجتاز امتحانات اللغة والاندماج.

ومن بين هؤلاء، مرح المصري (20 عامًا)، التي حصلت أولًا على إقامة مؤقتة مكّنتها من الدراسة والعمل بحرية، واليوم — بعد ثلاث سنوات فقط — تنتظر قرار حصولها على الجنسية. وتقول: «حصولي على الجواز الهولندي يضمن حريتي في اختيار العودة إلى سوريا أو أي بلد آخر، وهذا لم يكن متاحًا سابقًا».

عامل الضغوط النفسية مقابل الأُلفة السورية

«كنت أعتقد أن اللغة هي العائق الوحيد، لكنني أجد صعوبة في الاندماج الكامل مع المجتمع الهولندي، والأمر يعود بالنسبة لي في الغالب إلى اختلاف العادات والدين بشكل جذري»، تقول مرح.وتشير كذلك إلى عبء المسؤوليات التي تتحملها تجاه أسرتها، كترجمة المراسلات الحكومية وترتيب مواعيد الطبيب والبلدية وغيرها. ورغم ثقلها، تفضّل الاحتفاظ بهذه المشاعر لنفسها. «في سوريا كنت لا أزال طفلة بلا مسؤوليات كبيرة كهذه، وهذا ما أشتاق إليه».

مرح تصغر خالد بخمسة وأربعين عاما، ورغم فارق العمر والتجربة بينهما، إلا أن خالد يشاركها هذه المشاعر بنسبة كبيرة: «لقد كبرتُ على فكرة تعلّم لغة جديدة، ورغم ذلك حاولت، لكن دائرة معارفي وأصدقائي باتت تنحصر بمن يتعلّم اللغة». يتنهد قليلًا ويتابع: «بالطبع لا مجال للمقارنة حياتي الاجتماعية في سوريا».يرى خالد أن الطقس البارد والفراغ من أهم أسباب العزلة في هولندا، ويؤسفه أنها تصيب بعض الشباب في سن مبكرة وتدفع بعضهم — بحسب قوله — إلى التفكير بالانتحار أحيانًا. بالرياضة وقراءة الروايات، أو بمشاهدة مسلسلات سورية قديمة، يجد طريقه لمقاومة ذلك. لكن هذا ليس حال كثيرين غيره.

أجرت بعض الدول الأوروبية دراسات حول الحالة النفسية للسوريين عمومًا. ففي هولندا، أظهرت دراسة أن نسبة الاضطرابات النفسية بين اللاجئين السوريين تتراوح بين 40 و 50%. وفي دراسة أخرى أُجريت في مدينة لايبزيغ شرق ألمانيا، بلغت نسب الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة57%. أما في إسبانيا، فترتفع النسبة إلى 68%، وغالبًا ما تكون أعلى بين النساء والأشخاص الأكبر سنًا.

هذه الأرقام لا تفاجئ الدكتورة ريما الحربات. تقول: «بل أجدها نتيجة طبيعية ومنطقية جدًا، خاصة بين اللاجئين». تعتقد د. ريما — وهي أخصائية في التربية وعلم النفس تعمل مع منظمات دعم نفسي في هولندا — أن الغربة والشعور المتواصل بالعزلة والقلق يعودان إلى تبعات الحرب، ثم رحلة اللجوء المحفوفة بالمخاطر، وصولًا إلى ما تصفه بـ«مجرد شكل ظاهري من أشكال الأمان» بعد الوصول إلى أوروبا.

وتوضح: «هذه التجارب قد تؤدي إلى ما يُعرف اصطلاحًا بـ”اضطراب الفقدان الغامض”. والغموض هنا لا يشير إلى غياب الأسباب، بل إلى طبيعتها المتراكمة وغير المباشرة». وتضيف: «بمجرد الوصول إلى أوروبا، يواجه الناجون أسئلة تتعلق بتحديد الهوية وبناء منظومة قيم جديدة يجب أن تتسق بين ثقافتين مختلفتين، ما قد يؤدي إلى اضطرابات في المنظومة القيمية لدى الكبار والصغار على حد سواء».

ما الذي يتحكم بالقرار النهائي؟

«عندما سمعت خبر سقوط النظام، أُغشي عليّ. لم أصدق»، يقول خالد.
خرج مع عائلته من مخيم اليرموك عام2012 بعد قصفه بالطيران الحربي، ثم تنقّل في موجات نزوح متكررة قبل أن يستقر في السويد. بعد سنوات، تصله رسالة من أخيه الذي بقي في المخيم، تتضمن صور بيتهم وقد سُوّي بالأرض. «منذ أن خرجت، وصورة واحدة تزور مخيلتي: أرى فيها بيتنا وحارتنا وجيراننا وأولادهم يلعبون في الشارع…». يتوقف فجأة، ثم يقول بصوت أكثر واقعية: «أعشق فكرة عودتي لسوريا، لكنني مدرك أن هذه الصورة لم تعد موجودة اليوم».
زيارة سوريا بالنسبة له حتمية، أما العودة النهائية فتبقى موضع تردد: «لا أعلم. لا توجد خطة لذلك حاليًا. القرار مرتبط بأبنائي، ولا أستطيع العيش بعيدًا عنهم».

زار سامح سوريا بعد سقوط النظام في أول فرصة. يقول: «كانت حقيقة أنني عائد إلى سوريا أشبه بحلم عودة والدي وجدي إلى فلسطين». لكن الخيبة كانت بانتظاره: «أخبروني أن كومة الركام هذه هي منزلنا القديم في مخيم اليرموك. مشيت فوقها بحالة ذهول. اختفى المنزل الذي احتضن طفولتي وذكرياتي تمامًا». رغم ذلك، يخطط للعودة خلال سنوات قليلة، ويعمل مع زوجته على تهيئة طفلتهما ذات الستة أعوام عبر زيارات متكررة. «ابنتي وُلدت وكبرت في ألمانيا. الانتقال مباشرة سيكون صعبًا عليها».

سجلت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عودة طوعية دائمة لأكثر من مليون شخص إلى سوريا منذ سقوط النظام. إلا أن قرار العودة النهائية لا يزال تحديًا معقدًا.يارا وزوجها يرغبان بالعودة، لكن التفكير في مستقبل ابنتيهما يقيّدهما. تقول: «أشعر أنني سأتخذ قرارًا مصيريًا يخص مستقبلهما. هما تكبران الآن في مكان آمن ومستقر، يضمن لهما مستقبلًا دراسيًا أفضل».

أما العامل الحاسم في ترددهما فهو الوضع القانوني: «لو كنا حاصلين على الجنسية لما ترددنا في العودة. في حال لم تكن الخيار الملائم، يمكننا العودة بسهولة إلى الدنمارك».بالنسبة ليارا، فإن ضغوط تجديد الإقامة المؤقتة أخف وطأة من فقدان حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي. «على الأقل يتيح لي ذلك زيارة أقاربي المقيمين في دول أوروبية أخرى».

Exit mobile version