في بدايات القرن العشرين، وتحديداً في عام 1912، اجتمع عدد من طلاب القدس في مدرسة سان جورج وأسسوا ”فرقة القدس الأولى”، وكانت هذه الفرقة هي أول فرقة كشفية في فلسطين، في زمن لم تكن فيه فلسطين تعرف هذا النوع من التنظيم الشبابي بعد، وكان ذلك بالتزامن مع بدايات الكشافة في لبنان وسورية. لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 أوقف نشاطها سريعاً، مثلما حدث في معظم بلدان المنطقة.

وفي عام 1970، تأسست جمعية الكشافة والمرشدات الفلسطينية بشكلها الحالي، واستمرت سنوات طويلة في تثبيت حضور فلسطين على الخارطة الكشفية العالمية. وبعد جهود دبلوماسية وشبابية مرهقة، حصلت الجمعية عام 1996 على عضوية المنظمة الكشفية العالمية، ثم على العضوية الكاملة عام 2016. وبين هذا وذاك، حصلت عام 2011 على “الدبلوما المئوية” تكريماً لمئة عام من العمل التطوعي.

اليوم، تنتشر الكشافة الفلسطينية في فلسطين والشتات. هناك ما يطلق عليه “الساحات الكشفية الأربع”، وهي: الضفة الغربية، وقطاع غزة، وسورية، ولبنان، حيث تتواجد الفرق والمجموعات الكشفية والإرشادية في 11 مفوضية في الضفة الغربية، و5 مفوضيات في قطاع غزة، و5 مفوضيات في الساحة السورية، و5 مفوضيات في الساحة اللبنانية. ولكن المناطق الأكثر عراقة كشفياً وعدداً هي محافظات: بيت لحم، والقدس، ورام الله والبيرة، ونابلس، وغزة، ودمشق، وبيروت.

في سورية، القصة تمتد إلى أكثر من ستة عقود، وتبدأ عام 1956 عندما وصل الراحل أحمد سليمان (أبو هشام) إلى مخيم اليرموك، حاملاً معه تجربة الكشاف من طيرة حيفا، ومؤمناً بأن العمل الكشفي قادر على أن يكون بيتاً يُعيد التماسك لشعب خرج لتوّه من النكبة. تعاون معه رجال المخيم وشبابه، وعلى رأسهم الراحل (أبو خالد سليمان) الذي أصبح لاحقاً رئيس المفوضية العامة للكشاف الفلسطيني في سورية.

تعزز العمل الكشفي، في سورية، بشكل كبير بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، إذ حصل على دعم معنوي وتنظيمي انعكس على إنشاء مجموعات كشفية واسعة، وبرزت في تلك الحقبة مؤسسة الأشبال التي لعبت دوراً بارزاً في تأطير الفتية. ومن بين رموز هذه المرحلة مثقال صالح (أبو صالح) الذي أسس مع الراحل خالد الماضي مجموعة الشهيد صلاح صالح، وتخرج منها، جيل من أبرز الكشافة.

منذ ذلك الوقت، انتشرت المجموعات الكشفية، بقيادة شباب تراوحت أعمارهم بين 17 و30 عاماً، وتركزت في دمشق: اليرموك، ركن الدين، السبينة، السيدة زينب، دمر وغيرها.

وفي بداية السبعينيات، أنشئت أول فرقة كشافة ومرشدات في مخيم العائدين في حماه باسم ”الشهيد أكرم فايز دياب”.

لقد نشطت المجموعات الكشفية على المستويات الوطنية والاجتماعية والتعليمية، وفي المناسبات والمسيرات والأعياد. كما امتلكت فرقاً نحاسية شكلت حضوراً لافتاً في مسيرات المخيمات.

شاركت المجموعات الكشفية الفلسطينية في سورية في عشرات المعسكرات العربية والدولية، وأقامت مخيماتها الخاصة في مناطق متنوعة مثل الساحل السوري، رأس البسيط، غوطة دمشق، جديدة الوادي، الزبداني، وحتى الحمة والبطيحة في الجولان قبل احتلاله.

وفي السنوات الأخيرة، استمرت أنشطة الحركة الكشفية في سورية رغم الأزمات التي طالت المخيمات، كالقيام بزيارات ورحلات وحملات واحتفالات في مختلف المحافظات، مثل زيارة المتحف الوطني والمسجد الأموي، والمشاركة في بعض الفعاليات كمسيرات المناصرة لغزة، وتنظيم حملات التنظيف ودهن الأرصفة في بعض المخيمات.

وبعد سقوط النظام، أطلقت عدة مفوضيات بتاريخ 28- 12- 2024 مبادرة ”عهداً جديداً”. استهدفت المبادرة تنظيف الشوارع والرسم على الجدران في مخيم اليرموك، وأعادت إحياء بعض التقاليد الكشفية.

ومؤخراً، شاركت الفرق النحاسية في عدة مناطق مثل دمشق واللاذقية، بوقفة جماهيرية احتفالا بذكرى سقوط النظام.

تجربة الحركة الكشفية الفلسطينية في سورية ذات جذور عميقة وامتداد تاريخي طويل. باشرت مسيرتها كمحاولة للحفاظ على تماسك مجتمع منكوب، وتحولت مع الزمن إلى مؤسسة شبابية فعّالة ذات حضور وطني واجتماعي. 

ورغم ما حققته من إنجازات تنظيمية وتقاليد راسخة، إلا أن النشاط الكشفي استُنزف بفعل الطابع الاحتفالي والخطابي أمام ضغط المناسبات والشعارات على حساب جوهر العمل الكشفي: الخدمة والانتماء وخصوصاً في أوقات الأزمات، وعدم الاكتفاء بمبادرات مجتمعية خجولة أو محدودة. 

تسعى الحركة الكشفية في سورية للحفاظ على هويتها ورسالتها داخل بيئة سياسية واجتماعية مضطربة، لكنها لا تزال تبحث عن توازن بين إرثها العريق ومتطلبات العمل الشبابي الحقيقي.

Exit mobile version