أعاد سقوط نظام الأسد طرح سؤال «من يمثل الناس؟» داخل المخيمات الفلسطينية في سوريا بوصفه مسألة عملية تتصل بإدارة الحياة اليومية والخدمات والحقوق، لا نقاشاً سياسياً نظرياً. فمع انهيار الصيغة القديمة التي توزعت فيها الأدوار بين الدولة السورية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين والفصائل، ظهر فراغ واضح في الإدارة المحلية، وبرزت الحاجة إلى تمثيل مدني قادر على التعامل مع شؤون السكان المباشرة وحماية مصالحهم.

سجّلت دراسات صادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية لجوء عدد من المخيمات، في الأيام الأولى التي تلت التغيير السياسي في أواخر عام 2024، إلى تشكيل لجان محلية تولّت ضبط الأمن وتنظيم الخدمات الأساسية. عكست هذه الخطوة استجابة مجتمعية سريعة لفراغ الحماية والإدارة، لكنها كشفت في الوقت نفسه حدود الحلول المؤقتة. فسرعان ما برز السؤال الجوهري: كيف يمكن الانتقال من لجان نشأت تحت ضغط اللحظة الانتقالية إلى أطر مدنية مستقرة تملك شرعية واضحة، وتعمل وفق قواعد الشفافية والمحاسبة، وتنسّق مع البلديات ووكالة الغوث؟

يبرز مخيم اليرموك بوصفه النموذج الأوضح لاختبار هذا الانتقال. فقد وثّقت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين عودة أكثر من خمسة عشر ألف شخص إلى المخيم حتى مطلع شباط الشامي من عام 2025، في ظل دمار واسع وبنية تحتية منهكة. فرضت هذه العودة تحديات يومية تتعلق بإزالة الركام، وتنظيم الترميم، وإعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء، وحل النزاعات المرتبطة بالسكن. في هذا السياق، لم يعد التمثيل مسألة رمزية أو عنواناً سياسياً، بل أداة وظيفية تمكّن السكان من تنظيم شؤونهم والتفاوض على حقوقهم الأساسية، ما جعل التمثيل مرادفاً للإدارة الفعلية لا للخطاب.

ترافقت هذه التحولات مع تراجع واضح في قدرة الفصائل الفلسطينية على أداء دورها التقليدي بوصفها مظلة تمثيلية شاملة. فقد كشفت مرحلة ما بعد سقوط النظام أزمة شرعية أكثر منها أزمة تنظيم، إذ لم يعد حضور الفصائل كافياً لتغطية احتياجات مجتمع يواجه تحديات خدمية وقانونية متشابكة. دفع هذا الواقع باتجاه البحث عن أطر مدنية بديلة، مثل مجالس خدمات ولجان أحياء منتخبة أو توافقية، تتولى شؤون الإدارة المحلية وتعلن آليات عملها ومصادر تمويلها، بما يعيد تعريف التمثيل على أساس الكفاءة والمساءلة.

في هذا الإطار، يكتسب البعد الحقوقي موقعاً مركزياً. فقد أظهرت تقارير قانونية صادرة عن مركز وقف إطلاق النار للدراسات القانونية أن الاستقرار لا ينفصل عن قضايا الوثائق القانونية واسترداد الملكيات وحماية الحقوق المدنية. ويغدو التمثيل المدني هنا أداة عملية لمتابعة ملفات الملكية، ودعم الأسر في استخراج الوثائق، ومراقبة توزيع المساعدات، والتواصل المنظم مع الجهات الرسمية ووكالة الغوث، بما يحوّل التمثيل من دور وساطة غير رسمية إلى وظيفة مؤسسية واضحة.

ترتبط فعالية هذا التمثيل أيضاً بمدى دمج المخيمات في الإطار البلدي. فالمخيمات تعمل فعلياً كأحياء حضرية تحتاج إلى خدمات يومية مستمرة، من جمع النفايات وصيانة الطرق إلى المياه والصرف الصحي والنقل العام. وعندما تُمنح الأطر التمثيلية المحلية صلاحيات واضحة للتنسيق مع البلديات، تزداد فرص توجيه الموارد وفق أولويات السكان، بينما يؤدي استمرار عزل المخيمات عن التخطيط البلدي إلى إبقائها رهينة حلول مؤقتة ومساعدات متقطعة.

تكشف هذه التحولات مجتمعة أن الفراغ السياسي في المخيمات الفلسطينية بعد سقوط الأسد لا يشكّل حالة جامدة، بل لحظة انتقالية حاسمة في التاريخ الفلسطيني–الشامي المعاصر. فإما أن يُعاد إنتاج تمثيل هشّ يقوم على الضرورة المؤقتة، أو يُستثمر هذا الفراغ في بناء مؤسسات مدنية محلية قائمة على الشرعية المجتمعية والشفافية، وقادرة على حماية الحقوق والمساهمة في إعادة الإعمار. وعندها فقط، يمكن للمخيمات الفلسطينية أن تنتقل من موقع الانتظار الطويل إلى موقع الفاعل، وأن تصبح جزءاً حياً من المشهد السوري الجديد، لا هامشاً مؤجلاً فيه.

Exit mobile version