تكتسب العدالة الانتقالية لدى فلسطينيّي سوريا أهمية خاصة في أعقاب سقوط نظام الأسد، في ظل إرث ثقيل خلّفته سنوات الحرب من اعتقالٍ واختفاءٍ قسري وحصار وتهجير طال المخيمات الفلسطينية. وفي المرحلة الانتقالية الراهنة، تبرز هذه المقاربة بوصفها شرطًا عمليًا لإعادة الاستقرار، لا مجرد إطار أخلاقي أو سياسي عام.
فمعرفة العائلات مصير مفقوديها، وامتلاكها ضمانات قانونية واضحة للسكن والملكية والتعويض، تشكّل عوامل حاسمة في قرار العودة والبقاء. في المقابل، يدفع الغموض القانوني واستمرار الملفات المفتوحة شرائح واسعة إلى الهجرة أو العزوف عن العودة، بما يهدد أي تعافٍ مستدام.
في هذا السياق، يقدّم مركز وقف إطلاق النار للدراسات القانونية إطارًا حقوقيًا يربط بين ضمان الوثائق الرسمية، والحماية القانونية، واسترداد الملكيات، باعتبارها ركائز أساسية للاستقرار. ويضع هذا الإطار ملف المعتقلين والمفقودين في صدارة الأولويات، إلى جانب المساءلة وجبر الضرر.
ويمثّل ملف المعتقلين جوهر هذه العملية. فغياب الحقيقة لا يخلّف أثرًا إنسانيًا فحسب، بل يقوّض الثقة بالمرحلة الجديدة. إن الكشف عن المصير، والاعتراف الرسمي بالانتهاكات، وفتح مسارات قانونية واضحة، تشكّل شروطًا أولية لإقناع المتضررين بجدّية التحوّل. فالتغيير المنشود لا يقتصر على البنية السياسية، بل يمتد ليشمل القواعد الناظمة للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
ميدانيًا، يبرز مخيم اليرموك نموذجًا دالًا على هذا الترابط. إذ تشير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى عودة نحو 15,300 شخص حتى شباط/فبراير 2025، بالتوازي مع استعادة تدريجية لبعض الخدمات. وتُظهر هذه العودة أن العدالة ليست ملفًا منفصلًا عن التعافي، بل عنصرًا مكوِّنًا له في مجتمع يحمل ذاكرة حصار ودمار.
ويتصل ذلك مباشرة بملف الإعمار. فعمليات إزالة الركام وإعادة البناء قد تؤدي إلى طمس مواقع شهدت انتهاكات جسيمة، ما يفرض ضرورة التوثيق وحفظ الأدلة قبل تنفيذ مشاريع الترميم. ومن هذا المنظور، لا يكون الإعمار نقيضًا للعدالة، بل جزءًا منها إذا ما ارتبط بالذاكرة والحقوق.
وفي تقييمه الاستراتيجي لمستقبل الفلسطينيين في سوريا بعد سقوط النظام، يضع مركز الزيتونة للدراسات ملفات المعتقلين، وإعادة الإعمار، وعودة المهجّرين في صلب تحديات المرحلة الجديدة. ويؤكد أن هذا المسار لا يمكن فصله عن قضايا السكن والملكية.
فالحق في السكن يمثّل خط الدفاع الأول ضد إعادة إنتاج الظلم. وفي المخيمات المتضررة، تغدو حماية الملكية شرطًا أساسيًا لمنع النزاعات والابتزاز الإداري، وضمانًا لعودة مستقرة لا تعيد السكان إلى دائرة الخوف، وإنْ بأدوات مختلفة.
ويمتد هذا الملف إلى خارج الحدود السورية، إذ يعيش آلاف فلسطينيّي سوريا في دول الجوار وأوروبا. وتفرض هذه الجغرافيا المشتّتة إدراج آليات تواصل قانونية واضحة مع العائلات في الخارج، مثل سجل وطني للمفقودين وإجراءات متابعة عن بُعد، بما يضمن شمول هذا المسار وعدم حصره بمن بقوا داخل البلاد.
خلاصة القول، إن مقاربة العدالة لفلسطينيّي سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام تتشكّل عبر مسار مترابط، يبدأ بحق المعرفة بشأن المعتقلين والمفقودين، ولا ينفصل عن الإعمار وحماية السكن والملكية. وعندما تُدار هذه الملفات ضمن سياسة واحدة، تزداد فرص تحوّل المخيمات من فضاءات هشّة لما بعد الحرب إلى بيئات قابلة للاستقرار والاستمرار.
