تصوغ التغطيات الإعلامية عن فلسطينيّي سوريا بعد سقوط نظام الأسد صورة عامة تؤثر مباشرة في التمويل، وصياغة السياسات، والوعي الاجتماعي. وقد أسهمت التقارير الميدانية، ولا سيما تلك التي تناولت مخيم اليرموك، في نقل صورة المخيم من رمز للحرب والحصار إلى مشهد عودة وترميم. وتنشر قناة فرانس 24 تقريرًا عن سكان يعودون إلى اليرموك حاملين حلم إحياء «فلسطين الصغيرة»، وتصف دمارًا واسعًا إلى جانب شهادات شخصية عن معنى العودة. وتدفع هذه السردية باتجاه التركيز على الإرادة الفردية، وتربط العودة بالكرامة وباستعادة مكان يحمل ذاكرة فلسطينية حضرية داخل دمشق.
وتعزّز التقارير الميدانية هذا المسار عبر الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية. إذ يقدّم موقع الأخبار الحقيقية تقريرًا وثائقيًا من داخل اليرموك بعد سقوط النظام، يذكر حصول الفريق الإعلامي على إذن دخول إلى المخيم، وإجراء مقابلات مع سكان حول سنوات العنف ومسارات بناء حياة جديدة. وتبرز هذه المادة تفاصيل صغيرة لكنها دالّة، مثل ورشة ترميم، وشارع شبه خالٍ، وبيت يعود إليه أصحابه تدريجيًا. ويسهم هذا النوع من السرديات في توليد تعاطف عام، كما يجذب اهتمام منظمات وبرامج تمويل تبحث عن نماذج تعافٍ قابلة للدعم.
في المقابل، تقدّم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين سردية مؤسسية تعتمد الأرقام والخرائط. إذ يذكر «ملف مخيم اليرموك لعام 2025» وصول عدد المقيمين إلى نحو خمسة عشر ألفًا وثلاثمئة شخص حتى شباط من العام نفسه، ويصف مسار عودة بدأ تدريجيًا منذ عام 2020 ثم تسارع بعد سقوط النظام. وتمنح هذه البيانات القصة بُعدًا عمليًا، يوضح حجم الطلب على الخدمات، ويربط العودة بالحاجة إلى إصلاحات المأوى، والخدمات الصحية والتعليمية، بما يوازن السرديات الإنسانية مع مؤشرات التخطيط.
ويقدّم الإعلام المحلي والإقليمي سرديات ترتبط بالاقتصاد اليومي. إذ تنشر صحيفة الأخبار مادة عن مستقبل اليرموك، تربط عودة السكان بارتفاع الإيجارات في دمشق وريفها، وبإزالة حواجز كانت تعرقل الحركة وتفرض تكاليف على الدخول والخروج. وتنقل هذه المقاربة النقاش من الرمزية إلى السوق، حيث يؤثر سعر الإيجار في قرار العودة، وكلفة المواد في قرار الترميم، وفرص العمل في قرار الاستقرار.
ويظهر أثر السردية الإعلامية كذلك في توزيع الاهتمام بين المخيمات. إذ يتصدّر اليرموك التغطية بحكم موقعه وحجمه وتاريخه، بينما تحظى مخيمات مثل النيّرب في حلب، وعين التل، ودرعا، ومخيم الرمل في اللاذقية بحضور أضعف في الإعلام الدولي. وتشير توصيفات وكالة الغوث إلى دمار واسع في عين التل ودرعا واليرموك، ما يثير سؤال عدالة الانتباه الإعلامي، إذ يؤدي ضعف التغطية إلى تراجع ضغط الرأي العام، ومن ثم إلى تمويل أقل ومسار تعافٍ أبطأ.
وتتداخل السرديات الإعلامية مع مقاربات الحقوق والحماية. إذ يقدّم مركز وقف إطلاق النار للدراسات القانونية إطارًا يركّز على الحقوق والحماية في سوريا المتغيّرة، ويربط معاملة الفلسطينيين بمؤشرات الحكم الشامل وبملفات الوثائق والملكية والحماية القانونية. ويسهم إدخال هذا البعد الحقوقي في النقاش الإعلامي في نقل السردية من «حكاية عودة» إلى «حكاية حقوق»، بما يجذب اهتمام منظمات قانونية وشبكات مناصرة، ويؤثر في لغة التقارير باتجاه التوثيق وصياغة التوصيات.
كما تتأثر التغطيات بالتحولات السياسية والأمنية العامة. إذ تنشر وكالة الأنباء الأميركية مواد عن زيارات لمسؤولين أوروبيين إلى سوريا وتقديم تعهّدات مالية لدعم التعافي، إلى جانب توصيف تحديات اقتصادية وأمنية في مرحلة ما بعد الحرب. وتربط هذه الخلفية المخيمات بسياق الدولة السورية ككل، وتدفع الإعلام إلى تناول قضية فلسطينيّي سوريا بوصفها جزءًا من استقرار البلاد، لا ملفًا منفصلًا.
وتتفاعل السرديات كذلك مع واقع الشتات. إذ تنشر وكالة الغوث تقارير عن لاجئي فلسطين القادمين من سوريا إلى لبنان، وتعرض أرقامهم وأوضاعهم الاقتصادية في سياق هشاشة وقيود على العمل والخدمات. وتنتج هذه التغطية سردية «التنقّل» بين بلدين، حيث يدفع ضغط الإيجارات وفرص العمل في لبنان بعض الأسر إلى التفكير في العودة، فيما تدفع هشاشة الخدمات في سوريا أسرًا أخرى إلى التريث، ما يخلق توزيعًا سكانيًا مرنًا عبر الحدود.
وتؤثر السرديات، في النهاية، في أولويات السياسة العامة وتوجيه الموارد. فالتقارير التي تعتمد شهادات عائلات عائدة تعزّز دعم إصلاحات المأوى، بينما تقود المواد التي تستند إلى مؤشرات الفقر وانعدام الأمن الغذائي إلى التركيز على الدعم النقدي والتدريب المهني. وتشير تقارير الوكالة الأوروبية المعنية بشؤون اللجوء إلى ارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي بين فلسطينيّي سوريا، ما يعيد توجيه النقاش نحو قضايا سوق العمل والغذاء والدواء.
بهذه الصورة، تعمل السردية الإعلامية كعدسة تحدد ما يراه الجمهور وما تتحرك نحوه الموارد. ويتصدّر اليرموك المشهد، فيما تبقى مخيمات حلب ودرعا واللاذقية بحاجة إلى تغطيات أكثر توازنًا وعدالة، توسّع فهم الواقع المركّب لفلسطينيّي سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام.
