أصدر مركز التحليل والبحوث العملياتية دراسة بعنوان: «الفلسطينيون السوريون عند مفترق طرق: أولويات التمويل من أجل الاستقرار والحماية والعودة الآمنة في سوريا الانتقالية». وأشارت الدراسة إلى أن أي حديث عن “استقرار” سوريا في المرحلة الانتقالية سيظل ناقصًا ما لم تُدمَج مناطق اللاجئين الفلسطينيين في التعافي المبكر؛ لأن العودة المتقطعة إلى أحياء مدمّرة بلا خدمات ولا حماية ولا فرص عيش قد تتحول سريعًا من ملف إنساني إلى مولّد للهشاشة الأمنية والاجتماعية.
وتوضح الدراسة أن فلسطينيي سوريا كانوا تاريخيًا في وضع خاص يقوم على توازن حساس: حقوق مدنية واقتصادية قريبة من السوريين مع الحفاظ على صفة اللجوء والهوية الفلسطينية. لكن الحرب كسرت هذا التوازن، ففكّكت الحماية القانونية عمليًا، وأنتجت نزوحًا واسعًا وتدهورًا معيشيًا وتعقيدات إدارية وقانونية متراكمة. فقبل 2011 كان يعيش في سوريا نحو 560 ألف فلسطيني ضمن 12 مخيمًا معترفًا وعشرات التجمعات، بينما يُقدَّر اليوم أن نحو 438 ألفًا ما زالوا داخل البلاد، وأن قرابة 200 ألف غادروا إلى لبنان والأردن وتركيا وأوروبا. وتنقل الدراسة عن الأونروا أن 90% من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا تحت خط الفقر، وأن 80% نزحوا مرة واحدة على الأقل.
وتحذر الدراسة من أن جوهر المشكلة ليس “نقص المساعدات” فحسب، بل عودة بلا شروط الحد الأدنى: أحياء مثل اليرموك وخان الشيح ودرعا تشهد دمارًا واسعًا، وأنقاضًا ومخلفات حرب، وتراجعًا في خدمات الماء والكهرباء والصرف الصحي وإدارة النفايات، ومدارس وعيادات خارج الخدمة. وفي الوقت نفسه انهارت سبل العيش وارتفعت البطالة والديون، ما يوسع اقتصاد الظل ويزيد احتمالات الجريمة والنزاعات المحلية، ويرفع قابلية استغلال الشباب من جهات مسلحة أو شبكات ابتزاز، فضلًا عن دفع المزيد نحو الهجرة غير النظامية.
وتضيف الدراسة أن أزمة التمويل التي تضغط على وكالة الأونروا فاقمت هشاشة “شبكة الأمان الأخيرة” التي يعتمد عليها اللاجئون، بالتوازي مع صعوبات تواجهها السلطات الانتقالية والبلديات في إدماج المناطق الفلسطينية ضمن خطط التعافي. ويزيد المشهد تعقيدًا تداخل الصلاحيات بين الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب واللجان المحلية والبلديات والجهات الأمنية الناشئة؛ ما يفتح الباب أمام “وسطاء” يتحكمون بمفاتيح الوصول لإزالة الأنقاض والخدمات والوثائق. وتؤكد الدراسة أن بناء مسارات خدمة شفافة ومؤسسية ليس تفصيلًا إداريًا، بل شرط للاستقرار وكبح الاستغلال.
ومن زاوية حقوقية، تشدد الدراسة على ضرورة تفكيك المفاضلة الزائفة بين دعم التعافي داخل سوريا وبين حق العودة. فتمويل التعليم والصحة والحماية وسبل العيش يُقدَّم بوصفه دعمًا مؤقتًا قائمًا على الحقوق يحمي الناس الآن، من دون أن يعني توطينًا أو مساسًا بالهوية القانونية والسياسية للاجئ.
وعليه، تقترح الدراسة أولويات تمويلية متسلسلة: أولًا دعم متعدد السنوات ومقدّم للأونروا داخل سوريا لضمان استمرار التعليم والصحة والمساعدات النقدية، مع بند طوارئ يحمي الخدمات عند الصدمات. ثانيًا الاستثمار في الوثائق والسكن/الأرض/الملكية عبر مراكز مساعدة قانونية وفرق متنقلة، إلى جانب حماية مجتمعية تشمل الاستجابة للعنف القائم على النوع وحماية الطفل والدعم النفسي. ثالثًا برامج نقد مقابل عمل لإزالة الأنقاض وإصلاح البنى الأساسية وتأهيل المدارس والعيادات، مع منح صغيرة لإعادة تشغيل المشاريع والتدريب المهني للشباب. رابعًا إدماج ممثلي مجتمعات اللاجئين في التخطيط المحلي وتوضيح الأدوار بين الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب واللجان، وإنشاء آليات شكاوى ورقابة مجتمعية تقلص نفوذ الوسطاء.
أما على مستوى التمويل، فتدعو الدراسة إلى الجمع بين تمويل الأونروا وبين نافذة/صندوق تجميعي يعطي أولوية لمنظمات المجتمع المدني الفلسطينية بدورات سريعة ورقابة طرف ثالث، مع إدراج مكوّن فلسطيني واضح داخل أدوات التعافي “القائمة على المناطق” لتجنب التفتيت وحماية خصوصية الاحتياجات.
وتخلص الدراسة إلى رسالة مباشرة للمانحين وصنّاع القرار: مواءمة تمويل الأونروا مع حماية الحقوق والتعافي المبكر في مناطق اللاجئين الفلسطينيين—وبآليات شفافة تقودها المجتمعات—ليست مساعدة لفئة “على الهامش”، بل استثمار في استقرار سوريا الانتقالية ومؤشر على ما إذا كانت ستعيد إنتاج الإقصاء أم ستبني تعافيًا قائمًا على الحقوق والكرامة.
