تخطّي إلى المحتوى
مفتاح ميديا مِفتاح
كوفية

مخيم حندرات.. حين لا تعني العودة إلى البيت العودة إلى الحياة

سُمح بالعودة منذ 2017، لكن المخيم ما يزال شبه خالٍ من سكانه: الخدمات غائبة، وسندات الملكية مفقودة، وفرص العمل بعيدة.

رجل يقف أمام منزل متضرر في مخيم حندرات شمال شرق حلب
مخيم حندرات، شمال شرق حلب — نحو 70٪ من مبانيه تعرضت لأضرار كاملة بحسب مسح الأونروا عام 2018.
تقرير

في كلّ مرة تُتاح له فرصة الزيارة، يقف أبو محمد أمام منزله في مخيم حندرات دقائق معدودة، ويُطيل النظر إلى الجدران المتصدعة، ثم يغادر بصمت، وسؤال واحد يشغله طوال الطريق: ماذا سيفعل إذا عاد؟ فحجم الدمار الذي أصاب المنزل يتراجع إلى مرتبة ثانوية أمام هذا القلق الحقيقي.

قد يبدو السؤال غريبًا للوهلة الأولى في منطقة توقفت فيها المعارك منذ سنوات، وباتت الطرق المؤدية إليها مفتوحة أمام العابرين، غير أن واقع المخيم يروي قصة مختلفة تمامًا، فالمكان الذي كان يؤوي آلاف اللاجئين الفلسطينيين في مدينة حلب ما يزال شبه خالٍ من سكانه، رغم السماح بالعودة إليه منذ عام 2017.

وخلف هذا المشهد تختبئ مشكلة أعقد بكثير من صور الأبنية المهدمة، فعندما تغيب الخدمات وفرص العمل والضمانات القانونية، يتحول المفتاح الذي احتفظ به أصحاب البيوت إلى ذكرى عابرة، عوضًا عن أن يكون سبيلًا إلى العودة.

إزالة الركام غير كافية لعودة الحياة

قبل عام 2013، كان مخيم حندرات، الواقع فوق تلة تبعد 13 كيلومترًا إلى الشمال الشرقي من مدينة حلب، يضم نحو سبعة آلاف لاجئ فلسطيني. وخلال المعارك السورية بين التشكيلات العسكرية، تعرض نحو 70٪ من مبانيه لأضرار كاملة، بحسب مسح ميداني أجرته الأونروا عام 2018، وخرجت أحياء كاملة عن الخدمة نتيجة لذلك. ومع انحسار العمليات العسكرية، بقيت العودة محدودة، في مؤشر يكشف أن إزالة آثار الحرب وحدها عاجزة عن إعادة الحياة إلى المكان تلقائيًا.

وبنهاية 2018، قدّرت الأونروا عدد العائلات العائدة بنحو 120 عائلة، قبل أن يرتفع الرقم إلى 280 عائلة اليوم، بحسب رئيس لجنة التنمية في المخيم إبراهيم أبو هاشم، أي نحو 200 أسرة عادت خلال العام الأخير وحده، رغم أن هذا الرقم لا يزال بعيدًا عن آلاف العائلات التي سكنت المخيم قبل الحرب.

٧٠٪ من مباني مخيم حندرات تضررت كليًا — مسح الأونروا 2018
٢٨٠ عائلة عائدة اليوم، مقابل 120 عائلة نهاية 2018
٨٩٪ من فلسطينيي سوريا تحت خط الفقر المدقع الدولي

وتوضح بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) حجم الفجوة التي تفصل المخيم عن التعافي، فما تزال شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء بحاجة إلى استكمال أعمال التأهيل، بينما خرج المركز المجتمعي لتوزيع المساعدات عن الخدمة، واستمرت أعمال الترميم في المرافق المتبقية بوتيرة بطيئة.

وسط هذا الواقع، تواجه الأسرة الراغبة في العودة سلسلة من الأسئلة اليومية: كيف تؤمّن المياه والكهرباء؟ أين يتلقى الأطفال تعليمهم؟ وكيف يحصل المرضى على الرعاية الصحية؟

حياة بديلة تنافس فكرة العودة

امتدت سنوات النزوح بما يكفي لتعيد تشكيل حياة آلاف العائلات الفلسطينية، فاستقر بعضهم في مدينة حلب، وانتقل آخرون إلى محافظات سورية مختلفة، بينما غادر كثيرون إلى دول اللجوء. وخلال هذه السنوات نشأت أعمال جديدة، والتحق الأطفال بمدارس أخرى، وتبدلت العلاقات الاجتماعية، لتنشأ حياة فرضتها الظروف وتصبح جزءًا من الواقع.

يقول أحد أبناء المخيم المقيمين في مدينة حلب: “منزلي ما زال قائمًا جزئيًا، بيد أن عملي هنا، وأولادي يدرسون هنا. إذا عدت إلى حندرات سأتحمل كلفة إصلاح المنزل والمواصلات، عدا عن غياب الخدمات ومصدر الدخل الثابت”.

وعلى الطرف الآخر، يتبدّى حال العائلات القليلة التي غامرت بالعودة قاحلًا ومقلقًا. تقول أم أحمد، وهي تنظّف باحة منزلها المرمم جزئيًا: “عدنا بسبب عجزنا عن تحمل إيجارات البيوت في المدينة، لكننا نعيش هنا في شبه عزلة، المياه نشتريها عبر الصهاريج بأسعار مرتفعة، والكهرباء غائبة تمامًا، وأولادي يقطعون كيلومترات يوميًا للوصول إلى أقرب مدرسة”.

عدنا بسبب عجزنا عن تحمل إيجارات البيوت في المدينة، لكننا نعيش هنا في شبه عزلة.

أم أحمد — عائدة إلى مخيم حندرات

تعكس هذه الشهادات تحولًا جوهريًا في طبيعة الإشكالية، فالسؤال الذي شغل السكان خلال سنوات الحرب كان: متى تنتهي المعارك؟ أمّا اليوم، فأصبح السؤال مختلفًا: هل يملك المخيم المقومات التي تسمح بالاستقرار؟ ولهذا، صارت العودة قرارًا اقتصاديًا واجتماعيًا بقدر ما هي اختيار عاطفي.

أوراق مفقودة وإرث أجيال معلّق

يقود الحديث عن إعادة الإعمار إلى سؤال يبدو بسيطًا: من يملك هذه البيوت؟ في مخيم حندرات، غابت الإجابة تمامًا، فالمنازل شيّدها اللاجئون الفلسطينيون على أراضٍ خصّصتها السلطات السورية لإقامة المخيم، فيما قدّمت الأونروا خدماتها. وبقيت الأرض خارج نطاق الملكية الخاصة، مقابل تمتع السكان بحق السكن والانتفاع الذي استقرّ لعقود، حتى غدت البيوت مرتبطة بأصحابها عرفًا وإداريًا، وتوارثتها أجيال متعاقبة.

يوضّح المحامي غسان طاهر حسون أنّ حقّ الانتفاع، بحسب القانون السوري، يمنح صاحبه حق التأجير والسكن والاستفادة من كل ثمرات الشيء المنتفع به. وبالنسبة إلى أراضي مخيم حندرات تحديدًا، يؤكّد حسون أنّ حقّ العودة للسكن يبقى قائمًا للمنتفع طالما لم يصدر عن الدولة أي قرار باسترجاع هذه الأرض، مضيفًا أنّ من حق المنتفع، في حال الإخلاء، الحصول على بديل عن المكان الذي كان ينتفع به أو المطالبة بذلك. أمّا بخصوص اللاجئ الذي فقد وثائق إثبات انتفاعه بسبب سنوات النزوح المتكررة، فيوضح حسون أن الإثبات يمكن أن يتم عبر شهادة الشهود، إلى جانب محضر ضبط من الشرطة يوثّق واقعة ضياع الأوراق.

حقّ العودة للسكن يبقى قائمًا للمنتفع طالما لم يصدر عن الدولة أي قرار باسترجاع هذه الأرض.

غسان طاهر حسون — محامٍ

وبمعزل عن الإطار القانوني النظري، فقد ترجم غياب سلطة فعلية تحمي هذا الحق إلى خسارة ملموسة على الأرض في مرحلة سابقة، إذ وثّق موقع “Syria Report” المتخصّص بحقوق السكن والأرض والملكية في سوريا، في تقرير نُشر في 10 آذار/مارس 2021، أن فصيل “لواء القدس” الفلسطيني أجرى، نهاية عام 2020، إحصاءً شاملًا لعقارات مخيم حندرات وتحديد ملاكها، ثم أرسل سماسرة لإقناع الأهالي ببيع منازلهم بحجة أن “مصير المنطقة مجهول” وأنها “ستُهدم لتعذّر ترميمها”. ولا يُعرف ما إذا كان هذا النمط ما زال قائمًا اليوم بعد سقوط النظام السابق، لكنه يكشف كيف يتحوّل غياب سند الملكية الرسمي إلى تهديد ملموس.

وهذا وضع يتصل أيضًا بإشكالية أوسع لحقوق تملّك الفلسطينيين في سوريا عمومًا: فبحسب ورشة قانونية عُقدت في دمشق منتصف يونيو 2026، أوضحت المتخصصة في القانون الدولي رنا عبود أن القرار رقم 1011 الصادر عام 2022 عن حكومة النظام البائد أعاد تعريف “السوري” حصرًا بحامل الجنسية، ما استبعد الفلسطينيين من امتيازات تملّك كانوا يتمتعون بها سابقًا، وطالب مشاركون في الورشة بتعديل التشريعات ذات الصلة لحماية حقوق اللاجئين.

وبلا شك، فإن تجاوز عقبة الإسمنت في حندرات لا ينفصل عن معالجة معضلة الحقوق المهدورة، إذ ترتبط استعادة الحياة للمخيم بإرساء مسار حقوقي وقانوني واضح لجبر الضرر. ورغم وجود آليات قانونية لإثبات الحق، كشهادة الشهود، فإن تفعيلها عمليًا على الأرض يبقى رهنًا بقدرة الجهات الرسمية على القيام بدورها في ظل الظروف الراهنة. وفي ظل غياب ضمانات واضحة، يبقى خطر ضياع الحقوق أو التداخل العقاري قائمًا، فيما تحتاج الأسر إلى حماية قانونية تضمن حقوقها وتشجعها على الاستثمار في ترميم منازلها والعودة إليها.

أقل من دولارين وربع يوميًا

حتى لو تجاوزت الأسرة هواجس الملكية، تبقى العقبة الاقتصادية حاضرة بقوة، فبيانات الأونروا لعام 2024 تشير إلى وجود قرابة 438 ألف لاجئ فلسطيني في سوريا، ويقارب عدد النازحين داخليًا منهم 40 في المئة. وفي الوقت نفسه، يعيش نحو 89 في المئة منهم تحت خط الفقر المدقع الدولي، المحدد بدولارين و15 سنتًا أو أقل يوميًا.

وتعطي هذه الأرقام صورة أوضح عن حجم الفجوة بين الرغبة في العودة والقدرة عليها، فترميم منزل متضرر يحتاج إلى مبالغ تفوق إمكانات معظم الأسر، في وقت ترتفع فيه أسعار مواد البناء، وتتقلص فرص العمل.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع الأزمة المالية التي تواجهها الأونروا. فقد حصل نداء الوكالة الطارئ الخاص بسوريا على نحو 27٪ فقط من التمويل المطلوب عام 2023، فيما تواجه الوكالة اليوم عجزًا يقدّر بنحو 200 مليون دولار حتى مطلع 2026. وحين حملنا تساؤلات السكان حول الجدول الزمني لإعادة تأهيل البنية التحتية إلى الجهات المعنية بمجلس مدينة حلب، بقيت الإجابات تدور في فلك “ارتباط المشاريع بالميزانيات المتاحة”، من غير تقديم سقف زمني محدد.

تهجير متكرر

تكشف تجربة حندرات أن إعادة الإعمار ليست عملية هندسية فحسب، بل عملية اجتماعية وقانونية واقتصادية متكاملة؛ فالبيوت تستعيد قيمتها عندما يعود أصحابها إليها بثقة، وعندما يجدون مدارس تستقبل أبناءهم، ومراكز صحية تؤدي دورها، وفرص عمل تساعدهم على بناء حياة مستقرة.

عندما يغادر أبو محمد مخيم حندرات، يبقى منزله في مكانه، كما كان طوال سنوات الحرب وما بعدها، شاهدًا صامتًا على انتظار لم يجد بعد من يُنهيه. فالجدران يمكن ترميمها، والأسقف يمكن إعادة بنائها بمال كافٍ وأيدٍ عاملة، إلا أن الثقة التي تآكلت عبر سنوات النزوح والخذلان المتكرر تحتاج إلى مسار أطول بكثير وأكثر تعقيدًا من أي مشروع إعمار.

ورغم رغبة النازحين من المخيم في العودة إلى ديارهم مؤخرًا، وهو مؤشر لا يمكن تجاهله، يبقى المخيم معلّقًا بين زمنين: زمن انتهت فيه المعارك رسميًا، وآخر لم تبدأ فيه العودة الحقيقية والمستقرة بعد. وحتى يلتقي الزمنان، سيظلّ أبو محمد وأمثاله يقفون أمام بيوتهم دقائق معدودة، ثم يغادرون، حاملين المفتاح ذاته، والسؤال ذاته.